ابن سبعين
132
أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها
وقال في « نقش النصوص » : العالم المثالي هو عالم روحاني من جوهر نوراني ، شبيه بالجوهر الجسماني في كونه محسوسا مقداريّا ، وبالجوهر المجرد العقلي في كونه نورانيّا ، وليس بجسم مركب مادي ، ولا جوهر مجرد عقلي ؛ لأنه برزخ وحد فاصل بينهما ، وكل ما هو برزخ بين الشيئين لا بدّ وأن يكون غيرهما ، بل له جهتان يشبه بكل منهما ما يناسب عالمه ، إلا أن يقال : إنه جسم نورانيّ في غاية ما يكون من اللطافة ، فيكون حدّا فاصلا بين الجواهر المجردة اللطيفة وبين الجواهر الجسمانية المادية الكثيفة ، وإن كان بعض من هذه الأجسام أيضا ألطف من بعض ، كالسماوات بالنسبة إلى غيرها ، فليس بعالم عرضي كما زعم بعضهم ؛ لزعمه أن الصور المثالية منفكة عن حقائقها ، كما زعم في الصور العقلية ، والحق أن الحقائق الجوهرية موجودة في كل من العوالم الروحانية والعقلية والخيالية ، ولها صور بحسب عوالمها انتهى . وقال آخرون : عوالم المثال عالم لطيف بالنسبة إلى الأجرام ، كثيف بالنسبة إلى الأرواح ، فهو برزخ بين عالمي المجردات والأجسام ؛ لتجرده عن المواد ، كالمجردات ، وامتداده كامتداد الأجسام ، غير قابل للفصل والوصل ، مثل قبول هذه الأجسام . وقال : هذه العبارات واحد ، سمي بالعالم المثالي ؛ لكون أول مثال صوري لما في الحضرة العلمية الإلهية من صور الأعيان والحقائق ، ولكونه مشتملا على صور ما في العالم الجسماني من عرش وكرسي وسماوات وأرضين ، وما في جميعها من الأملاك وغيرها ، وليس هناك معنى من المعاني الممكنة ، ولا روح من الأرواح إلا وله صورة مثالية مطابقة لما هو عليه ؛ إذ لكلّ منها نصيب من الاسم الظاهر ، وكل ما له وجود في العالم الحسي هو في العالم المثالي دون العكس . ولذلك قال أرباب الشهود : إن العالم الحسي بالنسبة للعالم المثالي كحلقة ملقاة في بيداء ، لا نهاية لها ، والأصل في وجوده الكتاب والسّنة والكشف الصحيح . أما الكتاب : فقوله تعالى : فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا [ مريم : 17 ] . وأما السّنة : فأحاديث كثيرة ، منها قوله في حديث بدء الوحي في البخاري وغيره :