ابن سبعين
120
أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها
وفي الحديث الأول أنه علم كم خزنة النار ، وحملة العرش ، وأنه أوتي فواتح الكلم وخواتمه : أي أوائله وأواخره وجوامعه : أي أسراره التي جمعت فيه . والكلم يحتمل أن يراد به خصوص الكلام العربي ، وأن يراد به كل الكلام من جميع اللغات التي لبني آدم ، أو التي لسائر الخلائق من جنّ وإنس وملك وحيوان وغيرها ، وهو أظهر لمعرفته بلسان الكل ، وبعثته له على القول المرتضى ، واللّه أعلم . وقد ذكر المحققون من العلماء أن رؤيته عليه السّلام للجنة والنار في صلاة الكسوف هي رؤية عين ، بأن رفعت الحجب بينه وبينها حتى رآهما رؤية حقيقية ، وطويت المسافات بينه وبينهما حتى أمكنه أن يتقدّم إلى الجنة ، وأن يتأخر عن النار ، ولا مانع من هذا وهو الأقرب ، والأشبه بظاهر الحديث ويؤيده ما ذكروه ، ويأتي في هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى من أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا قالوا : رأينا الجنة أو النار أو غير ذلك ، فالمرئي لهم هو الحقيقة دون المثال ، بخلاف الولي . ويؤيّده أيضا ما وقع في بعض الروايات المذكورة ، من أنه تناول من الجنة عنقودا ، وفي الرواية الأخرى : إنه أراد أن يأخذ منها قطفا ، وهو اسم لكل ما يقطف ، وما وقع في بعضها أيضا من أنهما دنتا أو أدنيتا منه ، وأنه جعل ينفخ خشية أن يغشاهم حر النار . ومنهم من حمل الرؤية « 1 » فيهما على رؤية المثال ، وأنهما مثلتا له وصورتا في قبلة المسجد ، كما تنطبع الصورة في المرآة ، فرأى جميع ما فيهما ، واستدلّ له بحديث أنس الآتي ، وهو في الصحيح : « لقد رأيت الآن منذ صليت لكم الجنة والنار ممثلتين في قبلة هذا الجدار » . وفي رواية : « والذي نفسي بيده لقد عرضت عليّ الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط وأنا أصلي ، فلم أر كاليوم في الخير والشر » .
--> ( 1 ) الرؤية : المشاهدة بالبصر ، لا بالبصيرة . حيث كان الإبصار من النشأة العاجلة أو الآجلة . قال الكليم صلوات اللّه عليه وسلامه : ( ( أرني أنظر إليك ) ) ولم يقل : أشهدني ، فإنه المشاهدة بالبصر كانت حاصلة له حين طلب الرؤية .