ابن سبعين

121

أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها

وفيه أن هذه قصة أخرى وقعت له في صلاة الظهر ، ولا مانع أن يرى الجنة والنار مرتين بل مرارا عديدة على صور مختلفة . ومنهم من حملها على العلم ، وأن اللّه عز وجلّ زاده الآن من العلم بحالهما تفصيلا لم يكن له قبل ؛ ليزداد بذلك خوفه ورجاؤه وعلمه ، وهو أضعف مما قبله ، بل في غاية البعد . وفي شرح ابن أبي جمرة لمختصره لصحيح البخاري في الكلام على حديث أسماء السابق في الوجه الثالث ما نصه : قوله عليه السّلام : « ما من شيء لم أكن أريته إلا رأيته في مقامي هذا » ، فيه دليل على أنه عليه السّلام لم يكن يرى من الغيب جميعه في الزمن المتقدم قبل هذا الموطن إلا البعض ، وأنه في هذا الموطن تكملت له الرؤية لتلك الأشياء كلها ، ثم تردّد في أنه أخبر بجميع الغيوب ، أو بما يحتاج به الإخبار إلى أمته ، وما يخصه عليه السّلام في ذاته المكرمة ، أو مما أكرمه اللّه للاطلاع عليه ، واستظهر الثاني منهما . ثم قال في الوجه الخامس : فيه دليل على عظيم قدرة اللّه تعالى ؛ إذ إنه عليه السّلام رأى في هذه الدار في هذا الزمن اليسير ما لم يره ليلة المعراج في العالم العلوي ، ومشاهدة الملكوت ، وفيه دليل على أن القدرة لا تتوقف في شيء ممكن ؛ لأنه عليه السّلام رأى في هذا الزمن اليسير أمورا عظام ، ثم عقلها جميعا مع إبقاء أوصاف البشرية عليه . ثم قال في الوجه السادس : قوله عليه السّلام : « حتى الجنة والنار » ، هذا اللفظ محتمل لوجهين : الأول : أن يكون عليه السّلام أراد أن يخبرهم بأنه عاين كل ما يلقون بعد خروجهم من هذه الدار حتى يستقروا في الجنة أو النار . الثاني : أن يكون عليه السّلام أراد أن يخبرهم بعظيم ما رأى من أمور الغيب بذكر الجنة والنار ، تنبيها على ذلك ؛ لأن الجنة قد روي أن سقفها عرش الرحمن ، والنار في أسفل سافلين تحت البحر الأعظم : أي الذي عليه قرار الأرضين ، فإذا رأى هذين الطرفين ، فمن باب أولى أن يرى ما بينهما ، انتهى منه بلفظه . وقال الكرماني في قوله : « ما من شيء لم أكن أريته إلا رأيته » ما نصه :