ابو الفتوح عبد الله بن عبد القادر التليدي المغربي

123

الأنوار الباهرة بفضائل أهل بيت النبوي والذرية الطاهرة

فإقسام هذه السيدة رضي اللّه تعالى عنها على حقّية علي ، وأن الحق معه ، لا يكون ذلك منها إلّا عن توقيف من الشارع ، « 1 » ولا سيما وأنّها من أهل بيت النبوة . ولما ذكرناه وغيره اتّفق أهل السنّة على أنّه رضي اللّه تعالى عنه كان إذ ذاك إمام المسلمين ، وأفضل الناس بالإجماع ، وأن أهل الحل والعقد بايعوه عقيب قتل عثمان ، ولم يتخلّف عنه إلّا معاوية بالشام وبعض بني أمية الذين لا اعتبار بهم ، ولذلك عدّوا من البغاة . أمّا سبب وقعة - الجمل - تلك الفتنة العمياء ، والرزيّة الشنعاء - هو أنّه لمّا بويع علي رضي اللّه تعالى عنه ، وكان من المبايعين له طلحة والزبير ، فكلّماه في شأن قتلة عثمان ليقتصّوا منهم ، تريّث لذلك وقال لهما : حتّى تتم البيعة ، ويأتي أهله للمطالبة بدمه ، فحينئذ نحكم فيهم ، فخالفه طلحة والزبير فخرجا قاصدين البصرة بصحبة عائشة للمطالبة بقتلة عثمان « 2 » . فلمّا بلغ عليا ذلك خرج وراءهم ، ورأى أنّهم نكثوا البيعة ، فلمّا لحق بهم كلّمهم في ذلك فرجعوا للحق ، ولكن قتلة عثمان - وكان أغلبهم من الكوفة في جيش الإمام علي - تآمروا ليلا وقالوا : إن وقع الصلح فسوف يقتص منا ، فنشّبوا القتال ، فثار الجمعان ، فكان ما كان بدون علم من رؤساء الفريقين . « 3 » .

--> ( 1 ) . لاحظ دقّة كلام أم سلمة من أن الخروج عصيان للّه وللرسول صلّى اللّه عليه واله ، وأن النبي أمر بذلك ، مع أمر الشارع : وقَرْن فِي بُيُوتِكُن . ( 2 ) . ما ذكره المصنّف لم يثبت تاريخيا ، بل الثابت أن طلحة كان من قتلة عثمان ( البداية والنهاية 7 : 276 وقال : هو المشهور ، ومستدرك الحاكم 3 : 381 ، تاريخ المدينة 4 : 1171 ، سير أعلام النبلاء 1 : 36 ، تاريخ دمشق 25 : 113 ، تاريخ خليفة بن خياط : 139 ) . كما أن من الثابت أنّهما ليس لهما الحق في المطالبة بدم عثمان ، فليس هما بأولياء المقتول ولا أولياء الدم ، وقد بيّن لهم الإمام علي عليه السّلام ذلك ، وأن هذا هو حكم اللّه فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّه سُلْطاناً ( الإسراء : من الآية 33 ) . ( 3 ) . والحقيقة هي أن أكثر قتلة عثمان من أهل مصر وأهل المدينة ، وكانوا يسمّون أنفسهم بجيش - - المروّة ، فراجع تاريخ المدينة 4 : 1184 ، والبداية والنهاية 6 : 243 ، وتاريخ ابن خلدون 3 : 39 . ثم إن من أجّج القتال وكان يريده هو غير هذين الرجلين ، فراجع الإمامة والسياسة : 57 إلى صفحة 70 ) ، ثم كيف يحصل قتال بين معسكرين عظيمين يقتل فيه عشرون ألفا من دون علم الرؤساء ! !