ابو الفتوح عبد الله بن عبد القادر التليدي المغربي
121
الأنوار الباهرة بفضائل أهل بيت النبوي والذرية الطاهرة
كان مصيبا ، وأن محاربيه بغاة ، لكنّهم كانوا مجتهدين . وقصدهم الصلح بين المسلمين بدليل حديث أبي هريرة رضى اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله : « لا تقوم الساعة حتّى تقتتل فئتان عظيمتان بينهما مقتلة عظيمة ، دعواهما واحدة » « 1 » . فالفئتان هما فئة علي وفئة طلحة والزبير ، وقوله : دعواهما واحدة ، أي : كل من الطائفتين كان يدّعي أن الحق في جانبه ، فكان ذلك مصدر الاجتهاد ، فأصاب علي وأخطأ محاربوه ، وغفر لهم خطأهم ، وكيف لا وفيهم طلحة والزبير من العشرة المبشّرين بالجنّة « 2 » ، ومن البدريّين ، وفيهم أم المؤمنين حبيبة رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وزوجته
--> ( 1 ) . صحيح البخاري 3 : 1320 ، صحيح مسلم 4 : 2214 ، مسند أحمد 2 : 313 . ولو سلّمنا صحّة هذا الحديث ، فلا ينطبق على حرب الجمل ، وليس فيه أيّ قرينة على ذلك ، بل القرينة على خلافه ، فأول الحديث عبارة : « لا تقوم الساعة » يدل على أنّه من أخبار وعلامات آخر الزمان ، وذكره البخاري في الفتن 6 : 2606 وذكر بعد عبارة : « حتّى تكثر الزلازل ويتقارب الزمان . . . » وذكره في 3 : 1320 وذكر بعده عبارة : « ولا تقوم الساعة حتّى يبعث دجّالون . . . » ، فتطبيقه على حرب الجمل تكلّف واضح . ( 2 ) . هذا الحديث ( العشرة المبشّرة ) من الأحاديث المشكلة متنا وسندا ، فأمّا المتن ففيه نظر لأمور : أولا : إن قتالهم لعلي عليه السّلام ونكثهم للبيعة دليل لوحده على ذلك ، فقد تقدّم أن حرب علي حرب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه واله . ثانيا : أن أمير المؤمنين عليه السّلام ردّ هذا الحديث في احتجاجه على القوم يوم الجمل . ثالثا : الحديث المروي عن النبي صلّى اللّه عليه واله : « أما إنّك ستقاتله وأنت ظالم له » وقد ذكّره الإمام علي عليه السّلام به يوم الجمل ، فقال الزبير : نيست ، أو ذكّرتني ما أنسانيه الدهر ( مستدرك الحاكم 3 : 377 ، فتح الباري 14 : 557 ، مجمع الزوائد 7 : 475 ) . رابعا : كيف يشهد النبي صلّى اللّه عليه واله بالجنّة لمن آذاه ، على ما ذكر المفسّرون والمؤرّخون في سبب نزول قوله تعالى : وما كان لَكُم أَن تُؤْذُوا رَسُول اللَّه ولا أَن تَنْكِحُوا أَزْواجَه مِن بَعْدِه أَبَداً إِن ذلِكُم كان عِنْدَ اللَّه عَظِيماً الأحزاب : من الآية 53 ( راجع الدرّ المنثور 6 : 643 ، - - وتفسير عبد الرزاق 3 : 122 ، وفتح القدير 4 : 299 ) وقد قال تعالى : إِن الَّذِين يُؤْذُون اللَّه ورَسُولَه لَعَنَهُم اللَّه فِي الدُّنْيا والْآخِرَةِ وأَعَدَّ لَهُم عَذاباً مُهِيناً الأحزاب : 57 . وأمّا السند فإن هذا الحديث لم يروه إلّا سعيد بن زيد ، ولم يسمعه من النبي صلّى اللّه عليه واله غيره ، ولم يحدّث به إلّا في زمان عثمان ، وكان سعيد بن زيد واليا لمعاوية على الكوفة ( الطبقات الكبرى 6 : 13 ) .