العلامة المجلسي
158
بحار الأنوار
وجعلهم معدن الإمامة والخلافة ، وأوجب ولايتهم ، وشرف منزلتهم ، فأمر رسوله بمسألة أمته مودتهم إذ يقول : " قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " ( 1 ) وما وصفهم به من إذهاب الرجس عنهم ، وتطهيره إياهم في قوله " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " ( 2 ) . ثم إن المأمون بر رسول الله صلى الله عليه وآله في عترته ، ووصل أرحام أهل بيته ، فرد ألفتهم ، وجمع فرقتهم ، ورأب صدعهم ، ورتق فتقهم ، وأذهب الله به الضغائن والإحن بينهم ، وأسكن التناصر والتواصل والمحبة والمودة قلوبهم ، فأصبحت بيمنه وحفظه وبركته وبره وصلته أيديهم واحدة ، وكلمتهم جامعة ، وأهواؤهم متفقة ورعى الحقوق لأهلها ، ووضع المواريث مواضعها ، وكافأ إحسان المحسنين ، وحفظ بلاء المبلين ، وقرب وباعد على الدين ، ثم اختص بالتفضيل والتقديم والتشريف من قدمته مساعيه ، فكان ذلك ذا الرئاستين الفضل بن سهل إذ رآه له مؤازرا ، وبحقه قائما ، وبحجته ناطقا ، ولنقبائه نقيبا ولخيوله قائدا ، ولحروبه مدبرا ، ولرعيته سائسا ، وإليه داعيا ، ولمن أجاب إلى طاعته مكافئا ، ولمن عند ( 3 ) عنها مبائنا وبنصرته منفردا ، ولمرض القلوب والنيات مداويا . لم ينهه عن ذلك قلة مال ، ولا عوز رجال ، ولم يمل به طمع ، ولم يلفته عن نيته وبصيرته وجل ، بل عندما يهوله المهولون ، ويرعد ويبرق به المبرقون المرعدون وكثرة المخالفين والمعاندين من المجاهدين والمخاتلين ، أثبت ما يكون عزيمة وأجرأ جنانا ، وأنفذ مكيدة ، وأحسن تدبيرا ، وأقوى تثبتا في حق المأمون والدعاء إليه ، حتى قصم أنياب الضلالة ، وفل حدهم ، وقلم أظفارهم ، وحصد شوكتهم وصرعهم مصارع الملحدين في دينه ، الناكثين لعهده ، الوانين في أمره ، المستخفين بحقه ، الآمنين لما حذر من سطوته وبأسه ، مع آثار ذي الرئاستين في صنوف الأمم
--> ( 1 ) الشورى : 23 ، ( 2 ) الأحزاب : 33 . ( 3 ) في المصدر : ولمن عدل .