اسد حيدر

33

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

من ذلك يا أمير المؤمنين » . فقال له المأمون كلاما فيه تهديد له على الامتناع عليه ، وقال في كلامه : إن عمر بن الخطاب جعل الشورى في ستة أحدهم جدّك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام وشرط فيمن خالف منهم ، أن يضرب عنقه ، ولا بد من قبولك ما أريده منك ، فإنني لا أجد محيصا عنه . فكان جواب الإمام الرضا أبلغ تعبير عن فهم البواعث التي وراء مثل هذا الأمر ، وخير ردّ يعرّي الخطة التي ترمي إلى ترميم كيان الظلم بالإساءة إلى نهج آل البيت ، ومحاولة ثنيهم عن الابتعاد عن الركون إلى الظلمة ، وجهادهم للإبقاء على سلطان الدين في روحانية النفوس وعلاقات المجتمع . ولما لم يجد الإمام الرضا أمامه إلا سيف الحكام قال للمأمون : « فإني أجيبك إلى ما تريد من ولاية العهد على أنني لا آمر ولا أنهى ، ولا أقضي ، ولا أولي ولا أعزل ، ولا أغيّر شيئا مما هو قائم » . فأجابه المأمون إلى ذلك كله ، لكي يحقق الغرض السياسي الذي أراده ، وزيّن له وهمه ذلك ، فظن أن خدعة ولاية العهد تنطلي على الناس فيما جعلها فارغة ليست بشروطه التي عوّل عليها ، بل بشروط الإمام الرضا . وعلى هذا المنوال ، عالج الجانب الفكري والحياة العقلية النشطة ، فأقحمها في دوائر السياسة والحكم ، وجعل رجال الفكر وأصحاب الاتجاهات العقلية - التي يفترض فيها ممارسة الدفاع عن الرأي - أعمدة للتحكم ، فأوقع الحركة الفكرية في تناقض . وهكذا استطاع المأمون أن يستفيد من ميوله واهتماماته ، ويؤثر في أولئك الذين ارتضوا أن يكونوا جزءا من السلطة على ما هم عليه من صفات وسمات فكرية ، تجعلهم من أهل العدل . في سنة 212 ه أظهر المأمون القول بخلق القرآن ، وتفضيل الإمام علي بن أبي طالب عليه السّلام وقال : هو أفضل الناس بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم « 1 » . وفي سنة 218 ه أعلن وجوب الاعتقاد بخلق القرآن ، وأنه حادث غير قديم ، وذلك لنفي التشبيه عن ذات اللّه ، ونفي الصفات عن الذات العلية ، لئلا تتصف الذات بما يعددها . ونفى المعتزلة ومن وافقهم من المسلمين الاعتقاد بقدم الصفات كقدم

--> ( 1 ) الطبري ج 10 ص 279 .