اسد حيدر
34
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
الذات ، لأن الذات هي وحدها متّصفة بالقدم ، ومن أجله كانت الصفات محدثة ظاهرة في الغير ، والكلام محدث ، والقرآن محدث لأنه من الكلام . ولجأ المأمون إلى استخدام القوة لفرض هذا الرأي ، وأعدّ لسياسته في هذا المجال العدة زمنا طويلا ، ونصب ديوانا للمحنة ، وحمل الناس على هذا الاعتقاد ، ومحاربة من يقول بأن القرآن قديم . لأنه من صفات اللّه ، والذين لم يروا بدّا من إثبات الصفات للذات وإنها قديمة قدمها الخ . . . فحصل الانقسام ، وعقد مجلس للامتحان ، واختارت الدولة له أشد الناس جدلا من المعتزلة وغيرهم ، كما اختار جماعة من الجلّادين الأشداء الجفاة الذين مرنوا على الضرب بالسياط ، والحراس الغلاظ ، وجعل في الديوان عقابا لكل ممتنع عن الإقرار ( وتبتدئ العقوبة بالحرمان من الحق - الذي نسميه في حياتنا - بالحق المدني في الحياة ، وتنتهي بخشبة الصلب ، فإذا لم يكن للرجل رزق ووظيفة عوقب عقوبة بدنية بقدر ما يمتنع عن الإجابة أو يحتال في الإنكار ، أو يصطنع الخلاص ) « 1 » . وهنا لا بد من الإشارة إلى التقاء المعتزلة مع الشيعة في القول في كون كلامه تعالى لا يكون إلا بكلام محدث ، لأن حقيقة المتكلم من وقع منه الكلام الذي هو هذا المعقول بحسب دواعيه وأحواله ، والكلام المعقول ما انتظم من حرفين فصاعدا من هذه الحروف المعقولة التي هي ثمانية وعشرون حرفا ، إذا وقع ممن يصح منه أو من قبيل الإفادة . والدليل على ذلك أنه إذا وجدت هذه الحروف على هذا الوجه سمّي كلاما ، وإذا اختل واحد من الشروط لا يسمى بذلك . فعلمنا أنه حقيقة الكلام ، ومتى ما وقع ما سميناه كلاما بحسب دواعيه وأحواله سمي متكلما ، فعرفنا بذلك حقيقة المتكلم « 2 » . ولكن الشيعة لا يطلقون صفة « مخلوق » على القرآن ، فكانوا أكثر حرصا على التنزيه وقالوا : ينبغي أن يوصف كلام اللّه بما سمّاه اللّه تعالى به من كونه محدثا ، قال اللّه تعالى : ما يَأْتِيهِم مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِم مُحْدَث إِلَّا اسْتَمَعُوه . وقال عز وجل : وما يَأْتِيهِم مِن ذِكْرٍ مِن الرَّحْمن مُحْدَث .
--> ( 1 ) عبد العزيز سيد الأهل ، شيخ الأمة أحمد بن حنبل ص 218 . ( 2 ) الشيخ الطوسي ، الاقتصاد ص 65 - 67 .