اسد حيدر

32

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

الفكر . وقد أسهم المأمون نفسه في إثارة القضايا التي تخص عقيدة الشيعة ، منها : مسألة الخلافة ، والأحقّيّة والأفضلية ؟ ولكن العمل السياسي كان يتمثّل في الموقف من العلويين ، وإرساء قواعد الحكم على أساس رضا الناس وقبولهم النظام العباسي عن قناعة ، بعد أن فضحت سياسة السابقين من آبائه خدعة الدعوة إلى الرضا من آل محمد ، وكيف كشّر العباسيون عن أنياب حقد أشدّ وأدهى على العلويين من حقد الأمويين . فكان أن حمل المأمون العلويين من المدينة وفيهم الإمام الرضا علي بن موسى ، وجاء بهم إلى خراسان . وكان غرضه شخص الإمام الرضا عليه السّلام فأنزل العلويين دارا ، وأنزل الإمام الرضا دارا وأكرمه وعظم أمره . واختار المأمون أن يعلم الإمام الرضا بقصده من وراء ذلك عن طريق الوسطاء ، وادّعى أنه يريد أن يخلع نفسه من الخلافة ويقلّدها إلى الرضا عليه السّلام وكل الدلائل تشير إلى كذب هذا الادعاء . فالمأمون حاكم لم يتورّع عن قتل أخيه في سبيل كرسي الخلافة ، ولا يمكن بأي حال أن يخرج عن أهم قواعد الحكم الجائر ، ويتخلّص من كره آل علي ، وإن ادعى ذلك وجاهر بأنه وجد أن العباسيين قد ظلموا وغصبوا آل علي حقهم . هذا من جهة ، ومن جهة ثانية فإن الإمام الرضا في سيرته ووجوده ، هو امتداد حي واستمرار متوقّد لسيرة ابن الشهيد الإمام موسى بن جعفر ، لم يحفل بالدنيا ، ولم تبعده نوائب الدهر عن أمور دينه ورعاية أهل الإسلام بالدعوة إلى التمسّك بالعقيدة والاتجاه إلى الإخلاص في الدين . وإن قدّر المأمون بعض نظرة الإمام الرضا إلى السلطة السياسة من حيث تصنيفات الواقع ، فليس من السهولة بمكان تناسي حقائق التاريخ الأسود للعباسيين وفظائعه . ويروي الشيخ المفيد - قدس سره - في الإرشاد ، أن الإمام الرضا أنكر هذا الأمر وقال : « أعيذك باللّه يا أمير المؤمنين من هذا الكلام ، وأن يسمع به أحد » فردّ عليه الرسالة : فإذا أبيت ما عرضت عليك ، فلا بد من ولاية العهد من بعدي . فأبى عليه الرضا أباء شديدا . فاستدعاه ، وخلا به ومعه الفضل بن سهل ذو الرئاستين ، ليس في المجلس غيرهم وقال : إني قد رأيت أن أقلّدك أمر المسلمين ، وأفسخ ما في رقبتي وأضعه في رقبتك . فقال له الرضا عليه السّلام : « اللّه اللّه يا أمير المؤمنين ، إنه لا طاقة لي بذلك ، ولا قوة لي عليه . . » قال له : فإني مولّيك العهد من بعدي . فقال له : « اعفني