اسد حيدر
26
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
واتقوا تقاة أنجتهم من تسلط العتاة . فضاعت أخبار كثيرة ، وخمدت القرائح ، وشاع الجمود الفكري ، وفشى الجهل . والسلطة من وراء الجهّال تشدّ أزرهم ، وتفتك بمن يحاول الخروج عن الطاعة « وإنه لطبيعي كذلك في أن يكون الملك عدوا لدودا لكل بحث ولو كان علميا يتخيل أنه قد يمس قواعد ملكه وتقويض كرسيّه ولهذا ضغطوا على حرّيّة العلم ، واستبدّوا بمعاهد التعليم ، وربطوها بعجلة الدولة » « 1 » . وبرغم ركام الأهواء تجد الحقيقة لها ألسنة وأقلاما تعبّر عن جوهر الدافع في الإبقاء على الجمود وبواعث سياسة الحكام الذين أحكموا إغلاق منافذ الفكر ليهيمنوا على الأمة ، وأغلقوا باب الاجتهاد الذي تشبّث الشيعة لفتحه حماية للفكر وإغناء للفقه ، فلما رأى بنو العباس أن وسائلهم في القهر لا تجديهم ، أرادوا أن يأتوا الناس من باب التعليم ، فيتولوا أمره بأنفسهم ، ليربوا العلماء على الخضوع لهم ، ويملكوهم بالمال من أول أمرهم ، وكانت الأمة هي التي تتولى أمر التعليم بعيدا عن الحكومة ، كما تتولاه الآن الأمم الراقية . . فيقوم في المساجد حرا لا يخضع لحكم ملك أو أمير ، ويتربى العلماء بين جدرانها أحرارا لا يرقبون إلا اللّه في علمهم ، ولا يتأثرون بهوى حاكم ، ولا تلين قناتهم لطاغية أو ظالم . فأراد بنو العباس أن يقضوا على هذا التقليد الكريم ، ويتولوا بأنفسهم أمر التعليم بين المسلمين ، فأخذوا ينشئون له المدارس بدل المساجد ، ويحبسون عليها من الأوقاف الكثيرة ما يرغب العلماء فيها ، ويجعل لهم سلطانا عليهم ، وأخذت الممالك التابعة لهم تعمل في هذا بسنّتهم ، حتى صار التعليم خاضعا للحكومات بعد أن كان أمره بيد الرعية ، وكان لهذا أثره في نفوس العلماء فنزلوا على إرادة الملوك ، ولم تقو نفوسهم على مخالفتهم في رأيهم أو توجيه شيء من النصح إليهم « 2 » فلما انتشرت المدارس الحكومية قام بنو العباس بالخطوة المكمّلة ، فطلب من المنفّذين لسياستهم المشتغلين بالعلم ألا يذكروا شيئا من تصانيفهم ، وألا يلزموا الفقهاء بحفظ شيء منها ؛ بل يذكروا كلام الشيوخ السابقين تأدّبا معهم ، وتبرّكا بهم . فأجاب جمال الدين عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي بالسمع والطاعة .
--> ( 1 ) كرد علي : الحضارة الإسلامية . ( 2 ) انظر : عبد المتعال ، الصعيدي ، في ميدان الاجتهاد ص 7 .