اسد حيدر
27
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
فيما كان نهج الشيعة منذ صدر الإسلام حتى يومنا هذا يقوم على إثبات مذهبهم بالأدلة المنطقية ، والكتابة العلمية ، وكان مدار الإمامة ومصطلحاتها الفنية من أكبر ما اهتموا به لأنها من أركان الدين ، وهي أصل إقامة المجتمع ومصدر بناء هيئاته ، وهم الذين قسّموا علمها ، وبوّبوا أبوابه ، وعيّنوا مجاله ، ورسموا حدوده « 1 » . وكان للشيعة بتلك العصور ألمع الشخصيات الإسلامية كهشام بن الحكم ، وكان يرأس مدرسة فكرية إسلامية أخذ تعاليمها من أستاذه الإمام الصادق عليه السّلام ويقول فيه ابن النديم : أنه هو الذي فتق الكلام في الإمامة ، وهذّب المذهب ، وسهّل طريق الحجاج . وكان حاذقا بصناعة الكلام ، حاضر الجواب « 2 » . ومن جرّاء شهرته في الكلام مع علوّ رتبته بالفقه وسائر العلوم ، فقد تحاملوا عليه ، ونسبوه إلى سوء الاعتقاد ، كما طاردته السلطة أيام هارون الرشيد ، فهرب ومات متخفيا . وهكذا غيره من فلاسفة الشيعة وعلمائها الذين امتحنوا في سبيل عقيدتهم أمثال : مؤمن الطاق محمد بن النعمان ، وأبو يوسف الكندي ، وبني نوبخت ، والرازي ، والهمداني وغيرهم من متكلمي الشيعة وفلاسفتهم . وكان اشتهارهم بعلم الكلام مهّد لأعدائهم أن يتّهموهم بسوء الاعتقاد ، والبدعة والكفر ، وهذه البدعة هي بدعة سياسية ، لأن مخالفتهم لنظام الحكم السائد جعلتهم مبتدعة في نظر أعوان السلطة . ونتيجة لذلك التعصّب الأعمى شاعت الافتراءات ، وموّهت في إطار فقهي أو مذهبي . لأن الشيعة التزموا نهج أهل البيت كأئمة هداة وصفوة معصومة تمثّل الرسالة في أصولها والمبادئ في نقائها . والذين كان نصيبهم الاضطهاد والظلم ، والابتعاد عن السلطة التي انجرّت إلى القيم الدنيوية والمادية . فوضعت السلطة مخططا لمواجهة التيار الذي يمثل الالتزام بخط أهل البيت ، والتخلص من رجالات الشيعة وأفكارهم بكل السبل ، سواء كانت بالقتل والاعتداء ، أو التحريف وقلب الحقائق ، والعمل على نبذ كل ما يمت لهم بصلة . فوصل الأمر بالمتفقّهين إلى الدعوة إلى ترك أحكام الشرع إذا كانت تشبه أحكام الشيعة . فعلى سبيل المثال لا الحصر : 1 - قالوا : ومن المصلحة أن يمنع المصلي عن اختصاص جبهته بما يسجد عليه
--> ( 1 ) النظريات السياسية الإسلامية ص 81 - 82 . ( 2 ) الفهرست ص 249 - 250 .