اسد حيدر
25
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
فعند المالكية يقتل المتهم بالضلال أو الزندقة أو البدعة أو ما شئت فقل من مقررات الحكم الجائر . فيصدر الحكم في حقه وإن تاب ، بخلاف بقية المذاهب . لأن رأي مالك أن المبتدع أو الزنديق ينفذ فيه حكم الإعدام وإن تاب . لقد أدى شيوع ذلك إلى حالات من الجهل والجمود وتحكم الفوضى . فنشط العامة بما يرضي أطماعهم ويجلب عليهم نعم السلطة والمتحكمين ، فأصبحت الطبقات الحاكمة هي التي تقرّ العقائد التي تراها أكثر نفعا لها وأقرب إلى الاستجابة عليها ، فتلتقي إرادة المتحكمين مع رغبة المتنفّذين والمستفيدين من تيارات التعصب هذه . ففي سنة 433 ه تصدر الدولة أمرا باتّباع ما تراه من العقائد ، فكان منشورها يتضمن أهم المسائل العقائدية التي هي محور الخلاف في ذلك العصر ، فهو يتضمن بعد التوحيد والإقرار لمحمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بالرسالة : عقائد مذاهب أهل السنة . وجاء فيه : أن من قال أن القرآن مخلوق فهو كافر حلال الدم . وأن يلتزم الناس بحب الصحابة كلهم . وأنهم خير الخلق بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأن خيرهم كلهم وأفضلهم بعد رسول اللّه أبو بكر الصديق ، ثم عمر ، ثم عثمان ، ثم علي ، وأن يشهدوا للعشرة المبشّرة بالجنة ، وأن يترحّموا على أزواج النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ومن سب عائشة فلا حظّ له في الإسلام ، ولا يقول في معاوية إلّا خيرا ، ولا يدخل في شيء شجر بينهم « 1 » . ووقع المنشور في أغلب ما تضمنه موافقا لرغبة العامة ، حيث يؤدي بمحتواه إلى شل الحركة العلمية التي تخالف آرائهم . فاتباع ذلك النظام لازم ، ومخالفه يعدّ كافرا ، وقد كتب الفقهاء خطوطهم ، وحكموا بفسق وكفر المخالف . كما أصبحت السلطة القضائية تخضع لهذا المرسوم ، وتعاقب بموجبه ، فمن اتهم بالمخالفة حكم بكفره ، وحلّية دمه ، فأصبح العلماء بين خوف العامة وغضب السلطة ، وليس وراءه إلّا سيف النقمة ، فلا يستطيع أحد أن يبدي رأيا فيما توصّل إليه من وراء تفكيره والنظر العقلي ، ولا يستطيع المؤرخ أن يسجّل حادثة فيها مخالفة لرأي السلطة ، وليس لباحث أن يثبت شيئا بعد تحقيقه وصحته ، كما ليس للمحدّث أن يناقش حديثا أو يثبت ما لا يتفق وآراء العامة . فكم ضاع من وراء هذا التحجير من الأفكار الحرّة والحقائق التاريخية التي أهملها العلماء مخافة أن يعرفوا بها فيهلكوا ، وبذلك حقنوا دماءهم ،
--> ( 1 ) المنتظم ج 8 ص 110 - 111 .