اسد حيدر
20
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
والدعوة الصادقة تبقى محتفظة بتأثيرها ونقائها ، ودعوات الفرقة مفضوحة مهما تلبّست ستار العلم أو برقع الثقافة ، وإسهاما في تحمل مسؤولية نشر الألفة والمحبة ، نبعد عن التحامل على أحد ، ولا نتجاهل واقعا نقف عليه ، أو برهانا يفرض نفسه . فالتزام النظرة الصائبة والدعوة الصادقة يجعل ترسّبات الماضي موضعا للانتقاء والاختيار ، فيهمل ما كان منه مشوبا بهذه الصفحات ، ويعتمد ما كان منها مدعاة للوحدة والائتلاف . لقد عصفت بالمجتمع الإسلامي عواصف الخلاف ، وظهر التصدّع في الصفوف بعد أن مني الإسلام بداء عصبية عمياء ، ومذهبية ما أنزل اللّه بها من سلطان ، وكثرت عوامل الخلاف ، وقويت شوكة الجهلة عندما حورب العلماء ، ورمي الفلاسفة بوجه عام بالزندقة ، وتشعّبت فروع ذلك ، وأصبح المجال واسعا لزرع بذور الفرقة ، وكثر الصراع في مسائل افترق المجتمع حولها ، فتفرّقت الكلمة ، فمنها الجمود الفكري . والجمود الفكري - كما تقدم - كظاهرة قوية في هذا الواقع المؤلم ، بعد أن جعل الإسلام حرية الفكر نبراسا للعقول والأفهام ، وطريقا للاهتداء إلى عالم الحق ، وأصبح المفكرون في نظر ذوي الجمود وفي نظر من آثر التسرّع في الحكم على الأشياء قبل معرفتها ، لعجزه عن المجاراة والمساهمة في حركة الفكر أهواء أو زندقة ، فذهبت الدعوة الصادقة ضحية الحجر على حرية العقل ، أو نتيجة الجمود الفكري الذي أقرّته سلطات جائرة وأوضاع منحرفة وتدخلات مختلفة ، فكان ذلك حائلا دون تمتع الناس بحقوقهم . وكان الذين يلتزمون نهج التحرّر الفكري والاحتكام إلى العقل كالشيعة والمعتزلة وغيرهم من رجال الفكر قد لاقوا في سبيل حرية الفكر بلاء ، وواجهوا محنا ، لأنهم لم يحجبوا نور العقل بظلمة التبعية العمياء ، فربطوا بينهم وبين من شذّ في علم الكلام عن النهج القويم ، وذلك عندما أقبل المسلمون على دراسة الكتب المنقولة من كتب الأوائل من : منطق ورياضيات وطبيعيات والعلوم الإلهية والطب والحكمة العملية وغيرها من علوم الأوائل التي نقل شطر منها في عهد الأمويين ، ثم أكمل في عهد العباسيين . فقد ترجموا مئات الكتب اليونانية والرومية والهندية والفارسية والسريانية إلى العربية ، وأقبل الناس يتدارسون مختلف العلوم ، ولم يلبثوا كثيرا حتى استقلوا بالنظر ، وصنّفوا فيها كتبا ورسائل ، وكان ذلك يغيض علماء