اسد حيدر
21
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
الوقت ، ولا سيما ما كانوا يشاهدونه من تظاهر الملاحدة والدهريين ، والطبيعية والمانوية الخ « 1 » . ومن المظاهر المؤلمة ما تعرّض له أبو جعفر بن جرير الطبري - صاحب التاريخ والتفسير المشهورين - سواء في حياته أو في مماته ، فنحن نعلم أن للأموات حرمة ، ولأن كانت غريزة الكره والحقد تجد مجالها بين الأحياء ، فإن ارتحال الطرف الآخر كاف للكف عن استمرار الغرائز الملتوية . يقول ابن كثير : « ودفن في داره لأن بعض عوام الحنابلة ورعاعهم منعوا من دفنه نهارا ، ونسبوه إلى الرفض . ومن الجهلة من رماه بالإلحاد ، وحاشاه من ذلك كله . بل كان أحد أئمة الإسلام علما وعملا بكتاب اللّه وسنة رسوله ، وإنما تقلدوا ذلك عن أبي بكر محمد بن داود الفقيه الظاهري ، حيث كان يتكلم فيه ويرميه بالعظائم وبالرفض . ولما توفي اجتمع الناس من سائر أقطار بغداد ، وصلوا عليه بداره ، ودفن بها ، ومكث الناس يترددون إلى قبره شهورا يصلون عليه . وقد رأيت له كتابا جمع فيه أحاديث غدير خم في مجلدين ضخمين ، وكتابا جمع فيه طريق حديث الطير . ونسب إليه ، أنه كان يقول بجواز مسح القدمين في الوضوء ، وإنه لا يوجب غسلهما » وبمرور الوقت عجز خصومه عن طمس شواهد علمه ، فأخذوا بالقول بأن هناك طبريين أحدهما شيعي يستحق هذا العداء . وإن كل ما جاء من الحق على لسان الطبري ، وكل ما ذكره هذا المؤرخ والمفسر الكبير من الحقائق هو من الطبري الآخر ، يقصدون محمد بن جرير بن رستم المحدث الإمامي الثقة ، وقد اشتهر بكتابه ( المسترشد في الإمامة ) وعرف بالمناظرة والكلام ، وليس هناك ما يساعد على الخلط بين الاثنين ، فآثار كل منهما مستقلة ومعروفة ، والقول بمثل هذا ينم عن القصد السيئ . وكان للمسلمين مكانة في علم الكلام وغيره ، وامتازوا عن سواهم بأمور كثيرة . وكانت مقاومة المفكرين بأساليب مختلفة وعبارات لا تعبّر إلا عن سوء الفهم . فقد رمي المتكلّمون بالكفر والزندقة والخروج عن الدين حسب ما ترتضيه السياسة ، وما تراه في خدمة مصالحها ، فوسعت شقّة الخلاف بين المتكلّمين وبين الفقهاء ، وشجعت الحملة على المتكلمين ورميهم بالكفر . فكانت تلك الحركة ضد علم الكلام سببا في تضييق آفاق الفكر ، وسد أبعاده ، وتقييد روح الإبداع ، حتى هدّد العلماء من المتكلمين .
--> ( 1 ) الطباطبائي ، الميزان ج 5 ص 179 .