اسد حيدر

16

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

واستمر مدة من الزمن يرهبون قلوب الناس ، ويتعرضون بالشرّ لغيرهم من الطوائف ، وإغراء بعضهم بعضا . مما حمل الخليفة الراضي على إصدار منشور في ردعهم بالقتل إن لم يرجعوا عن غيّهم « 1 » . ومن الملاحظ أن هذا المنشور قد أوقف نشاطهم . عن إثارة الفتن والوقيعة بغيرهم ، وخفف عن الناس بعض تلك الشرور التي لحقتهم بفعل التعصب لعقائد في التجسيم وآراء واهية مشبهة تجعل اللّه كالمخلوقات والمحدثات ، ومن نيل لمقامات الأولياء ومظاهر الاحتفال بسيرهم . وكان الراضي صريحا في إعلانه وشديدا في بيانه وقد توعّدهم في ختامه بالعقوبات الصارمة . ومما جاء في منشوره : « ثم استدعاؤكم المسلمين إلى الدين بالبدع الظاهرة والمذاهب الفاجرة التي لا يشهد بها القرآن ، وإنكاركم زيارة قبور الأئمة وتشنيعكم على زوّارها بالابتداع ، وأنتم مع ذلك تجتمعون على زيارة قبر رجل من العوام . . . الخ » ومضمون البيان يعبّر عن عودة إلى أصول الحق وقواعد التفكير السليم . وفي أحضان الحكام والمتنفّذين ، نشأ التعصب عنيفا ، وغدا من أسلحتهم الفتاكة ، فاستغل الحنابلة وجود من يتعصب لمذهبهم في فترة ردود الفعل وانعطاف الخلفاء الحكام لاستمالتهم في مواجهة آثار التطرف والتجاوز التي ارتكبت من المعتزلة عندما ركنوا إلى السلطان وتناءوا عن مصادر الفكر . فكان الوزير يحيى بن محمد بن هبيرة حنبليا متعصبا لمذهبه ، فنعموا في ظل سلطته ، وتصرفوا في أمور لا يسوغ لهم الدخول بها . ولم تعدم المذاهب الأخرى من مناصرين لها باستعمال سلاح التعصب والطائفية ، فكان من يعهد إليه بوظيفة يوجه جهوده لنصرة مذهبه ، والتحامل على غيره . فكان مرجان الخادم شافعي المذهب ، تعصب على الحنابلة ، وكان بينه وبين الوزير بن هبيرة عداء لأنه حنبلي ويتعصب لهم ، كما نصب العداء لابن الجوزي ، - وهو عالم الحنابلة والمبرز في عصره - وكان في عصرهما الأمير محمد بن موسى التركي أمير دمشق - وهو حنفي المذهب - ويتعصب للحنفية تعصبا مفرطا ، ويعادي بقية المذاهب ، وبالأخص الشافعية ، وكان يعلن بأنهم ليسوا من المسلمين ، ويقول : لو كانت لي الولاية لأخذت من الشافعية الجزية « 2 » وعند ما برز الوزير نظام الملك في

--> ( 1 ) ابن مسكويه ، تجارب الأمم ج 1 ص 322 . ( 2 ) ابن كثير ج 12 ص 175 .