اسد حيدر

12

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

ضرورات الدين أو الدّعوة ، ما دامت أهواء السلطة والتحكم كامنة وراء ما يصدر عن الباحثين . ورغم ذلك ، لم يتعدّ الخلاف بين المسلمين المسائل الثانوية والفقهية ، إذ لم يكن الخلاف يوما في التوحيد أو الكتاب أو السنة ، فهم بحمد اللّه متفقون على توحيد اللّه وعلى كتابه ، ومجمعون على أن ما بين الدّفتين هو القرآن بدون زيادة أو نقصان ، ولم يختلفوا في وجوب الأخذ بسنة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وإن اختلفوا في الفهم أو التفسير ، أو توقفوا في تحقيق الطريق الموصل إلى أخذ الحديث صدر عن الرسول أو لم يصدر . ولقد هيأ اللّه لهذه الأمة علماء جنّدوا أقلامهم لمواجهة نتائج دعوات التعصب والانقسام ، فكتب الكثير منهم في ذلك حرصا على سنة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ومنعا لأيدي العابثين من الوصول إليها ، ودحضا للكذابين والجهال . وقد ركزنا في البحث حول الخلافات المذهبية والنزعات الطائفية التي أدت إلى الفتنة والشقاق ، فعطلت قوى الأمة وشلّت طاقاتها . وإذا كان التاريخ الإسلامي قد شهد منذ فجر الدعوة بذور الفرقة والشقاق ، فإننا لا نود أن نتعرض في بحثنا إلى مجريات عهد الخلافة وآثار الخلافات على المجتمع الإسلامي ، وبروز النزعات الشخصية والمصالح الذاتية . ولا للخصومة في مرتكب الكبيرة وغيرها . وإنما بحثنا في المذاهب واتساع عوامل الفرقة والخلاف التي أدت إلى فتن غذّاها الاختلاف في الآراء ، وما رافق ذلك من مهاترات وخصومات تطورت إلى حروب سالت فيها دماء ، وأهينت كرامات ، وانتهكت حرمات . وقد رأينا فيما سبق من أجزاء البحث ، كيف تضافرت عوامل عديدة على إثارة المشاكل ، وكيف وقعت الأمة في امتحان قاس ، وقد كانت ظروف الفتنة وشيوع الاضطراب ، فرصة للجهلة والغوغاء من الناس للظهور واحتلال مواقع ، فيما اضطهد المفكرون وكمّت أفواههم ، ونورد هنا قول العلامة المصلح الشيخ محمد عبده الذي يعكس هذا الظرف فيقول : « والسبب في بقاء قوة سلطان الخلاف والنزاع هو تفشي الجهل ، وتعصب أهل الجاه من العلماء لمذاهبهم التي ينتسبون إليها ، وبجاهها يعيشون ويكرمون ، وتأييد الأمراء والسلاطين لهم ، استعانة بهم على إخضاع العامة ، وقطع طريق الاستقلال العقلي على الأمة . لأن هذا أعون على الاستبداد ، وأشدّ