اسد حيدر

13

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

تمكينا لهم مما يحبون من الفساد والإفساد . فاتفاق كلمة علماء الأمة واجتماعها على أن الحق كذا بدليل كذا ملزم للحاكم باتباعهم فيه ، لأن الخواص إذا اتحدوا اتبعهم العوام ، وهذه هي الوسيلة الوحيدة لمنع استبداد الحكام ، فالدّين يأمر برفع الشقاق والتنازع وبالاعتصام بحبل الوحدة ، وهذا معنى قوله تعالى : واعْتَصِمُوا بِحَبْل اللَّه جَمِيعاً ولا تَفَرَّقُوا وقوله تعالى : ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وقول النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « ولا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم أعناق بعض » . ثم يقول المرحوم الشيخ محمد عبده : وقد خالفنا كل هذه النصوص ، فتفرقنا وتنازعنا ، وحارب بعضنا بعضا باسم الدين ، لأننا سلكنا مذاهب متفرقة ، كل فريق يتعصب لمذهبه ، ويعادي سائر إخوانه المسلمين لأجله ، زاعما أنه بهذا ينصر الدين ، وليس في ذلك إلا خذلانه بتفريق كلمة المسلمين ، هذا سنّي يقاتل شيعيا ، وهذا شافعي يغري التتار بحنفي ، وهذا حنفي يقيس الشافعية على الذمية » « 1 » . ويقول السيد رشيد رضا : « حتى أن من اتباعهم ( أي أئمة المذاهب ) من قدّمهم على الأنبياء عند تعارض كلامهم مع الحديث الصحيح ، فإنهم يردّون كلام النبي المعصوم - مع اعتقاد صحة سنده - بقول نقل عن إمامهم ، ويتعللون باحتمالات ضعيفة » « 2 » . ولا أملك أن أستطرد دون أن أشير إلى أن هذا القول هو تعبير عن واقع يأتي مصحوبا بخروج عنه ، وميل إلى ما استنكر فيه ، إذ أن السيد رشيد رضا شهد فترة نضج جهود المصلحين المحدّثين ، وتبلور أفكار الوعي ، غير أنه أسهم هنا وهناك فيما يخالف اتجاه التحرر من التعصب ونهج التحقق والبحث اللذين اتسم بهما فكر الفترة الدينية التي يتصدرها المرحومان السيد جمال الدين الأفغاني وتلميذه الشيخ محمد عبده ، والذي تلاقح وتمازج مع تيارات الوعي ودعوات الوحدة الإسلامية . وهناك صور من حالات الانقسام والشقاق ذكرها ابن قدامة : « ففي طرابلس الغرب ، ذهب بعضهم إلى المفتي وقال له : اقسم المساجد بيننا وبين الحنفية ، لأن فلانا من فقهائهم يعبر عنا كأهل الذمة ، بما أذاع في هذه الأيام من اختلاف الأحناف

--> ( 1 ) ما لا يجوز فيه الخلاف بين المسلمين ص 65 - 66 . ( 2 ) انظر مقدمة المغني لابن قدامة .