اسد حيدر

15

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

وكان من أعظم تلك التهم التي وجهت إليهم هي : أن الشيعة يعبدون عليا ويؤلهونه ، أو أنهم يعبدون الأئمة أجمع ، وأن الأئمة عندهم أنبياء يوحى إليهم ، وأن لهم أحكاما هي غير أحكام الإسلام . وإنهم يشتمون أصحاب محمد ويكفرونهم جميعا ، وإنهم وإنهم . . . إلى آخر تلك الأقوال والتقولات التي أوحى بها الشيطان ليوقع الفتنة وينشر الفساد . وقد رأينا فيما تقدم أن السياسة كانت تشد أزر المتهجمين ، وتحمي من تاه في غوايته ، لتنتقم من أنصار أهل البيت الذين أعلنوا انفصالهم عن الدولة التي يتحكم فيها حكام انتحلوا إمرة المؤمنين ، وادعوا الولاية على المسلمين خلافا لما يقتضيه نظام الإسلام ، وتمردا على مفاهيمه ، وخروجا عن حدوده وقواعده . وقد وقف الشيعة مواقف حاسمة وبذلوا كل ما في وسعهم أن يبذلوه في مقاومة كل سلطان يحكم بغير ما أنزل اللّه ، فكان مصيرهم السجون والتشريد والقتل . والخلاصة : أن عدم تعاون الشيعة مع حكام الجور وأئمة الضلال ، أدى إلى اتخاذ شتى الأساليب وإيجاد مختلف العوامل للقضاء عليهم حفظا للمملكة ، وصيانة لها عن المؤاخذات التي تقوم على مبادئ العدل الإسلامي . لقد تضاعفت القوى لمحاربة الشيعة ، وتوالت عليهم الحملات ، لأن الدولة لا تسمح لمن يخالفها في الرأي أن يتمتع بحرية إبداء رأيه ، وترى من الحزم القضاء عليه ، وقد ذهب كثير من العلماء ضحية أفكارهم وآرائهم ، ولحق الاضطهاد بكثير من الفقهاء ( وكان أكثرهم عرضة للقتل إذ لم يكن له أحد يحميه في قصر الملك أو الأمير لأن القوم أصبحوا ونفوسهم لا تشتفي ممن يخالفهم في معتقد أو فكر إلا أن تضرب عنقه ) « 1 » . وعلى هذا النهج سار ولاة الأمر ، وبهذه السياسة الخرقاء كانوا يعاملون حملة العلم وأبطال الفكر ، وأعظم من هذا أنهم نسبوا تلك الأمور إلى الدين بدعوى أن في قتل هؤلاء ضم شمل الجماعة ، وإغلاق باب الفرقة ، والقضاء على البدع والضلالات ، وقد اتخذوا من علماء السوء مطايا لأغراضهم فكانوا يستفتونهم في إراقة الدماء ، حفظا للدولة من مؤاخذه العامة .

--> ( 1 ) الحضارة العربية ج 2 ص 88 .