اسد حيدر

30

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

الاتجاه ، وهذا الاختلاط يوجد اضطرابا ، وعدم الاستقامة في الأمور ، وكان له أثر واضح في أخلاق أهل الكوفة ، وقد لحظه حذيفة بن اليمان من قبل فبيّنه في خطاب له قائلا : ( يا معشر أهل الكوفة ، إنكم أول ما مررتم بنا كنتم خيار الناس ، فغيّرتم بذلك زمان عمر وعثمان ، ثم تغيرتم وفشت فيكم خلال أربع : بخل ، وخب « 1 » وغدر وضيق ، لم تكن فيكم واحدة منهن ، فنظرت في ذلك فإذا ذلك في مولديكم ، فعلمت من أين يأتي ، فإذا الخب من قبل النمط ، والبخل من قبل فارس ، والغدر من قبل خراسان ، والضيق من قبل الأهواز ) « 2 » . وحين اتّسع نطاق الحركة العلمية كانت الكوفة مركزا هاما لمختلف العلوم ، وقد ظهر علم الكلام ، وكثر الجدل حول العقائد ، وأهمّها البحث عن الأمانة . وقد ازداد نشاط ذوي العقائد الفاسدة ، والآراء الشاذة ، فأظهروها على سبيل النقاش العلمي ، فكانت تلك الآراء تأخذ مفعولها في المجتمع ، ويتناقلها الناس ومصدرها الكوفة ، وهي شيعية فتنسب تلك المقالة إلى الشيعة . وكانت السياسة تؤيد ذلك بغضا للشيعة ووسيلة للقضاء عليهم ، وقد اتبع المؤرخون للفرق تلك الخطة ، فنسبوا للشيعة فرقا كثيرة من ذوي المقالات الفاسدة بدون إنصاف أو تعقّل ، وما ساقهم إلى ذلك إلّا الجهل بعقائد الشيعة ، أو البغض لهم اتباعا لأسيادهم ومجاراة للظروف . ولا أطيل الحديث - والحديث شجون - حول تلك الدعاية الكاذبة ، في نشر الآراء الشاذة ، والعقائد الفاسدة ، التي يبثّها أعداء الإسلام ليتقبّلها ضعفاء النفوس ، والمصابون في تفكيرهم ، فينسبونها للشيعة ولا ربط لها بعقائد الشيعة ، إلّا أن الكوفة كانت مصدرا لها والكوفة شيعية ، وقد تعمد أولئك النفر أن يعلنوا سب الصحابة ليكون ذلك طريقا لمؤاخذة شيعة آل محمّد ، الذين تأدّبوا بآدابهم واتّبعوا أوامرهم ، كما أن موجة الغلو قد ظهرت في الكوفة دون غيرها من البلدان ، وكان القصد من ذلك ما قلناه وهو أن أعداء آل محمّد أرادوا الوقيعة في أتباعهم فأشاعوا الغلو في بلد يعرف أهله بالتشيع لهم والانتساب إليهم . وقد عالج أهل البيت تلك المشكلة الخطيرة . وعرفوا تلك الدوافع التي دعت

--> ( 1 ) الخب بفتح الخاء المعجمة : الغدر والخداع والغش . ( 2 ) حركات الشيعة المتطرفين نقلا عن ابن مسكويه ، تجارب الأمم ص 435 ليدن .