اسد حيدر

542

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

ولقد كان أهل الأندلس يغالون في مالك وفقهه : قال البيهقي : إن الشافعي إنما وضع الكتب على مالك : أنه بلغه أن بالأندلس قلنسوة لمالك يستسقى بها ، وكان يقال لهم : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيقولون : قال مالك ، فقال الشافعي : إن مالكا بشر يخطئ ، فدعاه ذلك إلى تصنيف الكتاب في اختلافه معه « 1 » . وعلى الجملة فإن انتشار مذهب مالك في الأندلس يعود أمره إلى قوة السلطان ، فإنه قد حمل أهل مملكته عليه « 2 » وقد كانوا يعملون بمذهب الأوزاعي . وكان يحيى بن يحيى الليثي مقدما مكينا عند السلطان فنشر المذهب هناك ، إذ جعل إليه تعيين القضاة ، فلم يول إلا من كان على مذهبه ، حتى اضطر القضاة الذين كانوا على غير مذهب مالك أن يلتزموا الفتوى به ، نظرا لإلزام السلطة . فهذا القاضي منذر بن سعيد البلوطي قاضي الجماعة بقرطبة المتوفى سنة 355 ه - كان يتفقه بمذهب الظاهري ، ويقضي بمذهب مالك وأصحابه ، لأنه ألزم بالعمل به من قبل السلطان « 3 » . ويعود ذلك إلى ثناء مالك على ملك الأندلس عندما سئل عن سيرة الملك ، فذكر له عنها ما أعجبه ، فقال مالك : نسأل اللّه أن يزين حرمنا بملككم ، فلما بلغ قوله إلى الملك حمل الناس على مذهبه بالقهر « 4 » . ويقول المقريزي : لما ولي المعز باديس حمل جميع أهل إفريقيا وأهل الأندلس على التمسك بمذهب مالك وترك ما عداه ، فرجع أهل إفريقيا وأهل الأندلس كلهم إلى مذهبه رغبة فيما عند السلطان وحرصا على طلب الدنيا ، إذ كان القضاء والإفتاء في جميع تلك المدن لمن سمي بمذهب مالك ، فاضطرت العامة إلى أحكامهم وفتاواهم ففشي هذا المذهب هناك « 5 » .

--> ( 1 ) توالي التأسيس للحافظ ابن حجر ص 76 . ( 2 ) نفح الطيب ج 6 ص 45 . ( 3 ) نفح الطيب ج 6 ص 45 . ( 4 ) ميدان الاجتهاد . ( 5 ) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة . الجزء الأول .