اسد حيدر

530

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

ويقدم عليه آخر وهو جالس في المسجد . فيقول : أيكم مالك بن أنس ؟ فقالوا : هذا . فسلم عليه . فاعتنقه وقبله بين عينيه وضمه إلى صدره وقال : رأيت البارحة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في هذا الموضع فقال : هاتوا مالكا فأتي بك ترعد فرائصك فقال : ليس بك بأس أبا عبد اللّه وكناك . وقال : اجلس . وقال : افتح حجرك فملأه مسكا منثورا . وقال : بثه في أمتي . فبكى مالك طويلا وقال : الرؤيا تسر ولا تضر إن صدقت رؤياك ، فهو هذا العلم الذي أودعني اللّه « 1 » . ومن هذا ونحوه مما يتقرب به المتقربون ، أو يفتعله المغالون فيه ويجعلونه من دواعي أهليته ، بل مؤهلاته . ولو أردنا استقصاء ما أحيطت به شخصية مالك من الزوائد والمبالغات فإننا نخرج عن خطة الاختصار . شيوخ مالك : ازدهر عصر مالك برجال العلم ولمعت فيه أسماء رجال تحدث الناس عنهم لشهرتهم العلمية ، ومكانتهم في المجتمع الإسلامي ، وأصبحت المدينة يؤمها طلاب العلم من مختلف الأقطار الإسلامية ، وامتازت بالتمسك بالحديث ومحاربة الرأي والقياس ، كما كانت صبغة الكوفة هي الميل إلى الرأي والقياس وعظم بين البلدين انشقاق أدى إلى خصومة وعداء ، خرج عن نطاق البحث العلمي إذ تعصب كل لبلده . وكانت المدينة تزدهر بمدرسة الإمام الصادق ، وقد تهافتت الوفود إليها عندما وجد الناس فرصة الاتصال بأهل البيت ، ورفع عراقيل المؤاخذة على ذلك ، وكانت مدرسة الإمام الصادق متمسكة بالحديث ، لا تجعل للرأي والقياس دخل في الأحكام الشرعية كما مر بيان ذلك . وكان مالك بن أنس هو أحد المنتمين لمدرسة الإمام الصادق مدة من الزمن وعنه أخذ الحديث ، فالإمام الصادق هو من أكبر شيوخ مالك بن أنس كما مر بيانه . وقد أخذ مالك أيضا عن عدة شيوخ من علماء المدينة وغيرهم : منهم عامر بن عبد اللّه بن الزبير بن العوام ، وزيد بن أسلم ، وسعيد المقبري ، وأبي حازم ،

--> ( 1 ) مناقب مالك للزاوي ص 17 .