اسد حيدر
48
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
ولا يستبعد من الأمويين أن يقابلوه بكل أذى وشدة ، ولكن اللّه سبحانه وتعالى عصمه منهم ، ورد كيدهم عنه . ولما دب الضعف في جسم الدولة كانت فترة مريحة استطاع الإمام أن يركن إلى الراحة والاطمئنان مدة من الزمن فتوافد عليه طلاب العلم من رجال الأمة كما مر ذكره . أما في العهد العباسي فهو قذى في عيونهم لأنه زعيم أهل بيت ثارت الأمة لأجلهم ، وانهارت الدولة الأموية بالدعوة لهم ، ورفعت شعارات البيعة لهم . وقد كان في أيام السفاح برفاهية نظرا للظروف والأوضاع التي سايرها السفاح بمقتضى سياسة الدولة . وفي زمن المنصور كانت المشكلة أشد مما هي عليه من قبل ، فقد كان المنصور يقظا لا يفوته ما لجعفر بن محمد من المنزلة في المجتمع ، ويعظم عليه اتجاه الأنظار إليه ، وقد عاشره من قبل وعرف منزلته وعلمه لذلك كان حذرا منه أشد الحذر ، والمخاوف تحيط به والأوهام والشكوك تساوره ، كما أن الوشاة ملأوا سمع المنصور من الأكاذيب على جعفر بن محمد عليهما السلام مما جعله يحاول الفتك به ، وكانت سياسة جعفر بن محمد وانعزاله ونظره إلى الأمور بعين الواقع برهنت على كذب أولئك الوشاة وخففت من سورة غضب المنصور قليلا ولكنها لم ترفع أصل الاتهام ، فهو على حذر دائم لأنه يعرف مقام الإمام جعفر بن محمد ومنزلته العلمية ومكانته الاجتماعية . اتهامات المنصور للإمام الصادق : ومهما يكن من أمر فقد كثرت الوشاة على أبي عبد اللّه عليه السّلام فأثارت من المنصور كوامن ضغنه وحركت عوامل غيظه ، فحج في سنة 147 ه - . ودخل المدينة وأمر الربيع بإحضار الإمام جعفر الصادق وقال له : ابعث إلى جعفر من يأتينا به تعبا قتلني اللّه إن لم أقتله ، فتغافل عنه الربيع لينساه ، ثم أعاد ذكره وقال : أرسل إليه من يأتيني به متعبا ، فلما حضر الصادق عليه السّلام أعلم أبا جعفر حضوره ، فلما دخل عليه قابله بوحشية وكلام لا مجال لذكره . وقال : اتخذك أهل العراق إماما يجبون إليك زكاة أموالهم ، وتلحد في سلطاني وتبغي الغوائل ، قتلني اللّه إن لم أقتلك ، فقال الصادق عليه السّلام : يا أمير إن سليمان أعطي فشكر ، وإن أيوب ابتلي فصبر ، وإن يوسف ظلم فغفر . فقال أبو جعفر : إلي وأنت عندي يا أبا عبد اللّه البريء الساحة السليم الناحية ، القليل الغائلة ، جزاك اللّه من