اسد حيدر

39

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

غرة شهر رجب والأمة الإسلامية تلاقي تلك الأحكام القاسية ، وقد انتشر فيها دعاة الفساد ، وتحكم أئمة الجور ، واستولى على الأقطار الإسلامية أولئك الجزارون الذين يتقربون لأئمتهم بضحايا البشرية بدون جناية ، والأخيار من الأمة الذين ينكرون تلك الأعمال الوحشية عرضة للأخطار ومحلا للنقم . ولد عليه السّلام في حجر الرسالة ، ونشأ في بيت النبوة ، وترعرع في ربوع الوحي ، وتربى بين جده زين العابدين وأبيه الباقر عليهما السلام . أقام مع جده علي بن الحسين عليه السّلام اثنتي عشرة سنة ، وقيل خمس عشرة سنة ، وعلى رواية المدائني ست عشرة سنة ، وأخذ عنه في حياته وتربى في مدرسته . وبدون شك ان جده زين العابدين هو أفضل الهاشميين ، وسيد أهل البيت في عصره ، وأعلم الأمة في زمانه وأورعهم وأصدقهم حديثا ، وبعد وفاة جده تفرد بتربيته أبوه الباقر عليه السّلام « 1 » وهو هو في عمله وورعه ، فنشأ الإمام تلك النشأة الصالحة وهو خليفة أبيه ، والمتحمل أعباء الإمامة من بعده وعاشر أباه بعد وفاة جده تسع عشرة سنة . نشأة الإمام الصادق : ولا شك ان الإمام الصادق نشأ في وسط مجتمع لا يتصل بآل البيت إلا من طريق الحذر والتكتم لشدة المراقبة التي تحوط بهم من السلطة الأموية ، وشاهد طلاب العلم يتصلون بمدرسة جده وأبيه وهم بأشد حذر ، لأن ذلك الدور لا يستطيع أحد أن يتظاهر بالاتصال بآل محمد ومن عرف في ذلك فإنما مصيره القبر أو ظلمة السجن إلى حيث الأبد . نشأ الصادق في عصر تتنازع فيه الأهواء ، وتضطرب فيه الأفكار وطغت فيه موجة الإحن والأحقاد ، وتلاطمت فيه أمواج الظلم والإرهاب . وتقرب الناس إلى ولاة الأمر بالوشايات والاتهامات فلا حرمة للنفوس ولا قيمة للدين ولا نظام يشمل الرعية ، بل هي فوضى والأمراء يحكمون بما شاءوا والرعية بين أيديهم ألعوبة لأغراضهم .

--> ( 1 ) ستأتي في الجزء الثاني لمحة من حياة الإمام الباقر عليه السلام .