اسد حيدر

34

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

معاوية والخلافة : ما كان معاوية يحلم يوما ما بتلك العظمة فيتسنم عرش الخلافة الإسلامية ، لقد كان صعلوكا لا مال له ، وذليلا تحت عزة الإسلام ، ووسم هو وأبوه وحزبهم الفاشل بالطلقاء ، يوم فتح اللّه على نبيه ونصره نصرا عزيزا « ودخلوا في الإسلام وقلوبهم مملوءة بالحقد على الإسلام يتربصون الفرص لمحو سطوره وقلع جذوره وما تغير شيء من نفسيات أبي سفيان بعد دخوله في حضيرة الإسلام قلامة ظفر » . فلا يستغرب من معاوية تلك المقابلة التي قابل بها عليا بوجه لا يعرف الخجل ، لأنه وريث ذلك العداء المتأصل بين بني هاشم وبني أمية فتلك « عداوة جوهرية ذاتية يستحيل تحويلها ويمتنع زوالها » فما أعظم محنة المسلمين وما أشد بليتهم عندما يعود أمرهم لخصوم لا يعرفون الرحمة ، ولا عهد لهم بالعدل ، وناهيك بما في القلوب من حقد ، وبما في النفوس من حب الانتقام ، وقد آن الأوان لتحريك ساكن الغل وإظهار مكنون العداء . وإنه ليثقل على معاوية ذكر علي بخير ، وتأبى نفسه أن يرى في الوجود أنصارا لعلي يحفظون به وصايا محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ويرعون حقه ، لذلك أصدر أمره إلى عماله عامة بنسخة واحدة : انظروا من قامت عليه البينة أنه يحب عليا وأهل بيته فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاءه . فما أعظم بلاء الأمة عندما فتح معاوية عليهم باب التشفي والانتقام ، وما أكثر المأخوذين بهذه التهمة ، ومعاوية يحاول بذلك أن يوقع بين صفوف الأمة عداء تتوارثه الأجيال ، ويبعث العصبية بين القبائل ليشق الطريق إلى غايته . ويحدثنا المدائني في كتاب الأحداث أنه كتب إلى عماله نسخة واحدة أن برأت الذمة ممن روى شيئا في فضل أبي تراب وأهل بيته . وقام الخطباء في كل كورة ينالون من علي ويقعون فيه وفي أهل بيته ، وكان أشد الناس بلاء أهل الكوفة لكثرة من بها من شيعة علي ، إذ استعمل عليهم المغيرة بن شعبة « 1 » ثم زياد بن سمية وضم إليه البصرة فكان يقتل كل من اتهمه بحب علي ،

--> ( 1 ) المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود المتوفى سنة 50 وكان أحد الدهاة استعان به معاوية واستعمله على الكوفة وكان عمر قد ولاه البصرة وعزله لقضيته مع أم جميل ، قال قبيصة بن جابر : لو أن مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج منها إلا بالمكر لخرج المغيرة منها كلها .