اسد حيدر
320
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
ويقول : إن كتب المناقب كثيرة وكثرتها لا تهدي السبيل ، ولا تنير الطريق إذ أنها طوائف من الأخبار يسودها المبالغة ، ولا يكاد يخلو خبر منها من الإغراق ، فتمييز صحيحها من سقيمها يحتاج إلى مقاييس النقد المستقيمة ، فأخبارها لا ترفض جملة ولا تؤخذ جملة ، إذ هي بلا شك فيها الحق والباطل وأخذ الحق من بينها يحتاج إلى نظر فاحص « 1 » . ونحن هنا لا يمكن أخذ صورة واقعية عن شخصية أبي حنيفة ، فإن هذه الأقوال المتراكمة أمامنا لا نستطيع أن نتميز بواسطتها تلك الشخصية ولا نبدي رأينا في الموضوع إلا بعد أن نطل من زاوية التاريخ . نشأته ونبوغه : ولد أبو حنيفة سنة 80 ه - في خلافة عبد الملك بن مروان الأموي ، وعاش إلى سنة 150 ه - وقيل سنة 151 ه - وقيل سنة 153 ه - فقد أدرك من العصر الأموي اثنتين وخمسين سنة ، ومن العصر العباسي ثماني عشرة سنة . وقد نشأ في الكوفة في عهد الحجاج بن يوسف ، فرأى قسوة الحجاج واستبداده وسيرته السيئة ، وحكمه القاسي ، ومعاملته للناس بما لا يمكن تحمله ، ومات الحجاج وعمره خمسة عشر عاما ، وشاهد ولاة الأمويين يسيرون بالأمة ، وقد جاروا في الحكم ، وخالفوا نظم الإسلام ، اتباعا لملوكهم ، وطبقا لرغباتهم ، من غير رادع من دين ، ولا مراعاة لحرمة ، ولم تمنعهم حواجز عن إيقاع الأذى برجال المسلمين وأعيانهم ، ومع هذا يرى العصبية العنصرية فيهم تتجلى بدون خفاء وتكتم ، ومن المعلوم أن ذلك يثير في نفسه نزعة البغض والكراهة لتلك السلطة ، فلا غرابة حين نراه يساهم في حركة الانقلاب ، وينضم لجانب العباسيين في دعوتهم ، ويناصر أهل البيت عليهم السلام . وكان أبو حنيفة منصرفا للعمل فهو يتعاطى بيع الخز ، وله محل لصنعه وصناع تحت يده ، وبهذا كان يعيش برفاهية ، ويصل إخوانه وأصحابه ، ولا نعرف بالضبط مدة بقائه تحت رعاية أبيه فالتأريخ لم يتعرض لذلك .
--> ( 1 ) أبو حنيفة لأبي زهرة ص 5 - 7 .