اسد حيدر

321

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

ولقد كان عصر أبي حنيفة الذي أظله ، والبيئة الفكرية التي عاش فيها ، وترعرعت مواهبه تحت سلطانها أكبر عامل على نبوغه وتوجيهه ، إذا كانت الكوفة إحدى مدن العراق العظيمة التي نشأت بها حلقات العلم ، وكانت الأهواء المتضادة والآراء المتضاربة في السياسة والعلم وأصول العقائد تدعو يومئذ إلى الدهشة والإمعان . فقد صارت الكوفة ملتقى الأفكار وصعيدا لتلاقحها فكان مستوى ثقافات الشعوب التي أظلها الإسلام يؤثر في مناهج العلم وطرق الثقافة ، ويقبل رجال الإسلام على تلك المناهج والطرق للتعرف على قواعدها وخصائصها لتكون وعاء للفكر الإسلامي ليعاد تغذية المسلمين وإنشاء أبنائهم بعقيدة الإسلام وأحكامه ، ولعمق العقيدة تتجرد الأوعية التي قصد أن يكون لونها كذلك مجردا عن كل لون آخر ، ويصبح ما في الوعاء من فكر إسلامي عنوانا متميزا مستقلا لا يدانيه ولا يشابهه ما سبق . ويقال إنه نبغ في علم الكلام والجدل وناظر فيه ، واتسعت دائرة تفكيره . وإذا رجعنا إلى حديثه عن ذلك فتكون ملازمته لحلقة المتكلمين أكثر من حلقة الفقه التي انتقل إليها بعد هجر علم الكلام ، فاختص بالفقه وحده ، فإن ذهابه للبصرة ، ومناظرته الفرق هناك أكثر من عشرين مرة - كما يقولون - وفي كل مرة يمكث سنة أو أكثر أو أقل ، يدل على أنه قضى الشطر الأكبر من عمره « 1 » في ذلك ، وإن كانت تلك الرواية لا تخلو من مبالغة ولم تسلم من الخدشة في السند ، فإنها من وضع يد الغلو ووحي العاطفة . ومهما يكن فإنه نشأ في أول أمره رجلا يتعاطى التجارة وصنعة الخز وبيعه في الأسواق ، وقضى شطرا من حياته في ذلك حتى أرشده الشعبي لطلب العلم فاتجه للكلام ثم اتصل بحلقة حماد بن أبي سليمان المتوفى سنة 120 ه - وكان هو المبرز من بعده ، وقد ساعدته الظروف على هدم الحواجز التي تقف أمامه ، كما أن العصر الذي هو فيه هيأ له أسباب الرقي ، ومهد له طرق التقدم ، فقد حدثت تطورات وسنحت فرص استغلها أبو حنيفة ، لما كان يتصف به من ذكاء وفطنة وطموح في نفسه .

--> ( 1 ) مناقب أبي حنيفة للمكي ج 1 ص 59 .