اسد حيدر

317

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

بوضوء العشاء أربعين سنة ، وامتناعه من أكل اللحم عشر سنين لأن شاة ضاعت فسأل كم تعيش فقيل عشر سنين ، إلى غير ذلك من الأمور التي أساء المغالون لأبي حنيفة فيها . هذا هو أبو حنيفة في نظر المعجبين به وأنصاره المغالين في تكوين شخصيته . أما الطرف الآخر من معاصريه وغيرهم ، فقد رموه بالزندقة ، والخروج عن الجادة ، ووصفوه بفساد العقيدة ، والخروج على نظام الدين ، ومخالفة الكتاب والسنة ، وطعنوا في دينه وجردوه من الإيمان « 1 » . وقالوا اجتمع سفيان الثوري وشريك وحسن بن صالح وابن أبي ليلى ، فبعثوا إلى أبي حنيفة ، فقالوا : ما تقول في رجل قتل أباه ونكح أمه وشرب الخمر في رأس أبيه ؟ فقال : مؤمن . فقال ابن أبي ليلى : لأقبلت لك شهادة أبدا . وقال له سفيان الثوري : لا كلمتك أبدا « 2 » . وحكي عن أبي يوسف قيل له : أكان أبو حنيفة مرجئا ؟ قال : نعم . قيل : كان جهميا ؟ قال : نعم « 3 » قيل : أين أنت منه ؟ قال : إنما كان أبو حنيفة مدرسا ، فما كان من قوله حسنا قبلناه ، وما كان قبيحا تركناه عليه « 4 » . وحدث إبراهيم بن بشار عن سفيان بن عيينة أنه قال : ما رأيت أحدا أجرأ على اللّه من أبي حنيفة ، وعنه أيضا : كان أبو حنيفة يضرب لحديث رسول اللّه الأمثال فيبرره بعلمه « 5 » . وعن الوليد بن مسلم قال : قال لي مالك بن أنس : أيذكر أبو حنيفة في بلادكم ؟ قلت : نعم قال : لا ينبغي لبلادكم أن تسكن « 6 » . وعن الأوزاعي يقول : إننا لا ننقم على أبي حنيفة أنه رأى ، كلنا يرى ، ولكنا

--> ( 1 ) انظر أبو حنيفة محمد أبو زهرة ص 5 . ( 2 ) الخطيب ج 13 ص 374 . ( 3 ) نفس الصدر . ( 4 ) الخطيب ج 3 ص 374 . ( 5 ) الانتقاء ص 148 . ( 6 ) ميزان الشعراني ج 1 ص 59 .