اسد حيدر

287

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

وأنكر الطبري على قاص ببغداد ما يحدث به من الأكاذيب فرمى العامة باب دار الطبري بالحجارة حتى سدوه ، وصعب الخروج منه . ونزل القصاص إلى غمار العامة يقصون لهم القصص الدينية ، والأساطير والنوادر في المساجد والطرق ، وينالون بها مالا كثيرا ، وكان يجتمع إليهم الرجال والنساء . قال ابن الجوزي في المنتظم : وكان القصاص في أواخر القرن الرابع أكبر مثيري الفتن بين السنة والشيعة . وعلى أي حال فلو حاولت أن أصف هنا عظيم الأثر الذي تركته تلك الأوهام والأكاذيب التي وضعها الدجالون والقصاصون الذين يلقنون العوام إياها وبالأخص بغض الشيعة وعداء أهل البيت لطال بنا الحديث ، وعظمت قائمة الحساب ، ولكنا نقتصر على هذا القدر ولا نلم بجميع العوامل التي دفعت الناس إلى التهجم على الشيعة ، فذلك يحتاج إلى وقت طويل ، وصفحات تزيد على صفحات هذا الكتاب . ولهذا نقتصر على نتيجة واحدة في تصفية الحساب ، وهي لفت نظر أبناء العصر الحاضر إلى رعاية حقوق الأمة ، وأن يستعرضوا تاريخ الشيعة بدون تعصب وتحيز ، وأن يلحظوا تطور المذهب الجعفري وسيره في طريق التقدم بما لديه من القوى الحيوية ، والقدرة على مقاومة الطوارئ ، وتخطي تلك الحواجز التي وقفت في طريقه ، ما لو وقف بعضها في طريق غيره من المذاهب لما استطاع أن يخطو خطوة واحدة ، لأنها عوامل جبارة تجعله أقوى من كل ظرف ومعترك يختلقه الظلمة والجبارون وسيبقى على هذه القوة محتفظا بعوامل البقاء والدوام حتى تظهر دولة الحق وتقوم الساعة . على أن المذهب الجعفري ليس باستطاعة أي أحد مؤاخذته بشيء في ذاته ، فهو موافق للشعور المتطور والوجدان ، ولكتاب اللّه العزيز ، والسنة المستقيمة ، وقد وجد العقل السليم فيه بغيته ، كما أن باب الاجتهاد مفتوح على مصراعيه وقد برهن بغزارة مادته ، ومرونة أحكامه ، ودقة بحوثه ، وسلامة قواعده ، ونقاوة أصوله وفروعه على أنه أقوى مصدر للتشريع الإسلامي ، ويتطور مع الزمن ومع كثرة الحوادث . ولكن المؤسف أن نرى الكثير ممن كتبوا عن التشريع الإسلامي قد اقتصروا