اسد حيدر
279
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
قال المقدسي : فلو لم أهرب وأدركت القافلة لبطشوا بي « 1 » . وعلى هذا سار الناس على غير هدى يزدحمون في دائرة ضيقة ، وقد سلبوا حرية الرأي وحرية التفكير . فلذلك تراهم لا يعرفون معنى الطعن ، ولا يهتدون لطرق المؤاخذة ، ولا يتورعون في أمر ، ولا يقفون عند حد وإنما هي فوضى الاتهام والتقول ، فكان كل من يورد حديثا في فضل علي عليه السّلام يتهم بالتشيع أو الزندقة على حد تعبيرهم . وكذلك كل من يناقش أعمال السلف طبقا للموازين العلمية والحوادث التاريخية يتهم بالتشيع . لذلك نراهم يحكمون على أناس بشيء وهم لا يتصفون به . فقد حكموا على الحاكم أبي عبد اللّه النيسابوري صاحب المستدرك بأنه شيعي ، لذكره في كتابه حديث الطائر المشوي ، وحديث من كنت مولاه فعلي مولاه ، وبالطبع ان ثبوت هذين الحديثين الصحيحين يخالفان سياسة الدولة ، وهل يستطيع أحد أن يتفوه بشيء منها ؟ وقد عقدت الألسن وكمت الأفواه ، فمن يستطيع الخروج على نظام الدولة إذ لا قيمة لمعايير الحق ومقاييس العقل . ومن أغرب الأشياء ما ذهب إليه ابن كثير في تاريخه ج 10 ص 21 وهو أن شهاب الدين أحمد المعروف بابن عبد ربه مؤلف العقد الفريد كان من الشيعة ، بل أن فيه تشيع شنيع ، وذلك لأنه روى أخبار خالد القسري وما هو عليه من سوء الحال . يقول ابن كثير : وقد نسب إليه ( أي لخالد ) أشياء لا تصح ، لأن صاحب العقد كان فيه تشيع شنيع ومغالاة في أهل البيت ، وربما لا يفهم أحد كلامه ما فيه من التشيع ، وقد اغتر به شيخنا الذهبي فمدحه بالحفظ وغيره ، ونحن نكل أمر هذه التهمة إلى قراء العقد الفريد وذوقهم السليم ، لأن خالد بن عبد اللّه القسري في واقع الحال بعيد عن الإسلام بعد ابن عبد ربه عن الشيعة ، ولكن السياسة جعلت خالدا وهو المتهم في دينه - كما يذكر ابن خلكان - قائما في إطفاء البدع والضلال . ومهما يكن من أمر فالشيء المهم الذي نريد التنبيه عليه هو أن تلك الخلافات التي وقعت بين المسلمين إنما هي من الأمور التي اتخذتها السلطة لأغراضها الخاصة .
--> ( 1 ) أحسن التقاسيم ج 2 ص 299 .