اسد حيدر

215

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

الذي نود أن نشير إليه هو : أن الأمر بلغ أشده حتى أدى إلى ثورات دموية مؤسفة ، وفتن ذهب تحت هياجها خلق كثير ، ولعل من أعظم ذلك يوم كان الشيعة يقومون بإقامة شعائرهم الدينية كيوم عاشوراء ، ويوم الغدير ، فإن ذلك يدعو إلى الإنكار من إخوانهم السنيين ، بدعوى أن النياحة وإقامة الزينة يوم الغدير بدعة . وكان يصحب هذا الإنكار اعتداء أدى إلى إراقة الدماء بين الفريقين وقتل خلق كثير « 1 » . ومع هذا فإن السنة قاموا بما قامت به الشيعة من النياحة على مصعب بن الزبير مقابلة للحسين ، وأقاموا الزينة يوم الغار مقابل يوم الغدير وقد مرت الإشارة لذلك « 2 » . كما أنهم أقاموا النياحة على كثير من الناس ، وقد رأوا أن ذلك من الأمور المستحسنة ، حتى قال محمد بن يحيى النيسابوري - حين بلغه موت أحمد بن حنبل - : ينبغي لأهل كل دار في بغداد أن يقيموا على أحمد بن حنبل النياحة في دورهم « 3 » . وأقيمت النياحة على أحمد بن حنبل وعظم الحزن عليه ، ولازموا قبره مدة من الزمن ، إظهارا للتفجع ، وأقيمت مجالس العزاء عليه ، كما أقيمت النياحة على غيره من الرجال وللمثال نذكر بعضا من ذلك : يموت أبو الفتح إسماعيل بن السلطان محمود سنة 567 ه - فتقام عليه المآتم ويناح عليه نوح الثكلى ، ويكثر البكاء في الطريق ، وتفرش بالرماد إظهارا للحزن ، وتعظيما للمصاب « 4 » . ويموت ابن تيمية سنة 728 ه - فتحضر جنازته خمسون ألف امرأة ينحن عليه ، ومائتا ألف رجل يرفعون أصواتهم بالتكبير مزيجا بالبكاء والعويل ، ولما غسل جمع ماء غسله فشربوه تبركا به ، واقتسم جماعة بقية السدر الذي غسل به تبركا ، ودفع بالطاقية التي على رأسه خمس مائة درهم ، والخيط الذي في رقبته فيه الزئبق لدفع القمل دفع فيه مائة وخمسون دينارا ، وسارت جنازته بين الضجيج والبكاء ، والمنادي

--> ( 1 ) البداية والنهاية لابن كثير 11 - 235 . ( 2 ) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة - انظر فصل : عناية الشيعة بيوم الغدير ص 94 . ( 3 ) طبقات الحنابلة 2 - 51 . ( 4 ) شذرات الذهب ج 6 ص 112 .