اسد حيدر

213

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

المفسرون : أراد به الحفظ عن التناقض ، وما من فريق من فرق المخالفين إلا وفيما بينهم تكفر وتبري ، يكفر بعضهم بعضا . كما ذكرنا من الخوارج والروافض والقدرية ، حتى اجتمع سبعة منهم في مجلس واحد فافترقوا عن تكفير بعضهم بعضا ، وكانوا بمنزلة اليهود والنصارى حين كفر بعضهم بعضا حتى قالت اليهود : « ليست النصارى على شيء » ، وقالت النصارى : « ليست اليهود على الشيء » . هذا ما يقوله بل يتقوله الأسفراييني وكم له من تقول وافتعال ، ولا أدري أخفي على الأسفراييني أمر تلك الحوادث التي مر ذكرها فيذهب إلى هذا الرأي ؟ أم نسي محنة القول بخلق القرآن ، وما حدث من ورائها من تكفير البعض للبعض ؟ فقد ذهب أحمد بن حنبل إلى تكفير من يقول بخلق القرآن ، ويقول أبو عبد اللّه محمد بن يحيى الدهلي المتوفى سنة 255 ه - : من زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر ، وبانت منه امرأته ، فإن تاب وإلا ضربت عنقه ، ولا يدفن في مقابر المسلمين ، ومن وقف وقال لا أقول مخلوق أو غير مخلوق فقد ضاهى الكفر ، ومن زعم أن لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع ، ولا يدفن في مقابر المسلمين ، على أن أحمد بن حنبل لم يقبل توبة التائب ، وكان لا يشيع جنازة من يقول بخلق القرآن ، ولم يصل على أحد منهم ، وكان يرتب عليهم أحكام الكفار ، وشاع التكفير حتى عند النساء ، يحدثنا الخطيب : أن امرأة تقدمت إلى قاضي الشرقية عبد اللّه بن محمد الحنفي ، فقالت : إن زوجي لا يقول بمقالة أمير المؤمنين في القرآن ، ففرق بيني وبينه « 1 » . واتسع الخلاف بين المسلمين ، من تكفير البعض للبعض ، فطائفة تقول : إن من قال القرآن غير مخلوق فهو كافر ، وعليه ابن أبي دؤاد وجماعته ، حتى أن الواثق استفك من الروم أربعة آلاف من الأسارى ، ولكنه اشترط أن من قال القرآن مخلوق يخلى من الأسر ، ويعطى دينارين « 2 » ومن امتنع عن ذلك فيترك في الأسر ولا يفك ، بمعنى أنه رتب آثار الكفر على من لم يقل بخلق القرآن . ولما قدم أحمد بن نصر إليه قال له الواثق : ما تقول في القرآن ؟ وكان أحمد ممن يذهب إلى أن القرآن غير مخلوق فقال : كلام اللّه ، وأصر على رأيه غير متلعثم فقال بعض الحاضرين : هو حلال الدم ، وقال ابن أبي دؤاد : هو شيخ مختل لعل به

--> ( 1 ) تاريخ بغداد ج 10 ص 74 . ( 2 ) طبقات الشافعية ج 3 ص 22 وتاريخ اليعقوبي ج 3 ص 194 .