اسد حيدر

200

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

والرواية عن هؤلاء الشيوخ إلا بالوثيقة والتثبت فكيف يجوز لهم أن يتساهلوا في الأمر الأهم ، والخطب الأعظم ، وأن يتواكلوا الرواية والنقل عن إمام الأئمة ورسول رب العزة صلّى اللّه عليه وآله وسلم الواجب حكمه ، اللازمة طاعته ، الذي يجب علينا التسليم لحكمه والانقياد لأمره ، من حيث لا نجد في أنفسنا حرجا مما قضاه ، ولا في صدورنا غلا من شيء أبرمه وأمضاه ، ولكن أقواما عساهم استوعروا طريق الحق ، واستطابوا الدعة في ذلك الخط ، وأحبوا عجالة النيل ، فاختصروا طريق العلم ، واقتصروا على نتف وحروف منتزعة من معاني أصول الفقه سموها عللا وجعلوهم شعارا لأنفسهم في الترسم برسم العلم ، وأخذوا جنة عند لقاء خصومهم ونصبوها ذريعة للخوض والجدال يتناظرون بها ويتلاطمون عليها ، وعند التصادر عنها قد حكم الغالب بالحذق والتبرير ، فهو الفقيه المذكور في عصره والرئيس المعظم في بلده ومصره . انتهى باختصار « 1 » . التعصب بين المذاهب : هذه بعض كلمات علماء ذلك العصر أوردناها ليتضح للقارئ سير العلم في تلك الأدوار ، والخلاف الذي أدى إلى الارتباكات التي أحاطت بمفهومه وبلغ الحال إلى تطور مؤلم أدى إلى الطعن في المعتقدات ، ونتج من وراء ذلك ثورات دموية ذهبت بكثير من النفوس والأموال بشكل يبعث على الأسف الشديد لما حل من التطاحن بين المذاهب ، فأصبحوا أعداء متخاصمين في المعتقدات وقد عامل بعضهم بعضا معاملة الخارجين عن الدين حتى قال محمد بن موسى الحنفي قاضي دمشق المتوفى سنة 506 ه - : « لو كان لي من الأمر شيء لأخذت على الشافعية الجزية » ويقول أبو حامد الطوسي المتوفى سنة 567 ه - : « لو كان لي أمر لوضعت على الحنابلة الجزية » . إن أسباب تلك الفتن التي حلت بالمسلمين كلها تعود لمسايرة بعض العلماء للدولة ، يشايعها ويؤيد وجهة نظرها ، فأغدفت عليه العطاء وبذلك أصبح العلم مسايرا للدولة .

--> ( 1 ) رسالة الانصاف للدهلوي ص 17 .