اسد حيدر
201
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
ولو استقل العلم عن مؤثرات السياسة في تلك العصور ، لأرغمت الدولة على الخضوع له ولسارت في ركابه ، وفي ذلك سعادة الأمة ، ولكن بعض حملة العلم بمسايرتهم لولاة الأمر الذين انحرفوا عن الدين أصبحوا دعامة تستند عليها سلطتهم الجائرة في أهم الأمور ، مما جعل الناس ينظرون إلى الإسلام وهو مسلوب القوة العادلة عن تنظيم شؤون العالم . والدين أجل وأسمى من أن يكون مهبا للأهواء ، أو مثارا لاختلاف الآراء أو مجالا لتحزب العلماء . وعلى أي حال فقد اصطدمت الطوائف اصطداما عنيفا ، وخلقت كثيرا من المشاكل التي هي في نهاية التعقيد ولا يمكن حلها ما دام علماء الدولة هم المحور لتلك الأمور ، ومنهم تنبعث تلك الأفكار التي تتحرك بها شعور العامة فيقع من وراء ذلك حوادث مؤلمة . وإذا نظرنا إلى الحوادث المؤلمة التي حصل فيها التشاجر والتطاحن بين معتنقي المذاهب الأربعة ، فإن ذلك يبعث في نفوسنا الألم ، مما وصلت إليه الحالة السيئة بين جماعات الأمة ، ويدلنا ذلك بكل وضوح على إبطال من يدعي لهم الاتفاق وعدم الخلاف ، وهو بذلك يستدل على أحقية مذاهبهم ، وصدق معتقداتهم ، كما ذهب إليه صاحب كتاب التبصير وغيره ممن يطلقون الأقوال بدون تدبر ، ويحكمون بدون تثبت . ليت شعري أخفيت عليهم تلك الحوادث التي وقعت بين الحنفية والحنابلة ، وبين الحنابلة والشافعية ، يوم قام خطباء الحنفية يلعنون الحنابلة والشوافع على المنابر ، والحنابلة يحرقون مسجدا للشافعية بمرو . وتقع هناك فتنة ذهب تحت هياجها خلق كثير ، ويعظم الأمر والخلاف بين الحنفية والشافعية في نيسابور ، وتقع فتنة مبعثها التعصب المذهبي ، فتحرق الأسواق والمدارس ، ويكثر القتل في الشافعية فينتصرون بعد ذلك على الحنفية ، ويسرفون في أخذ الثأر منهم وذلك في سنة 554 ه - ومثلها تقع بين الشافعية والحنابلة ، وتضطر السلطة إلى التدخل في حسم النزاع بالقوة ، وذلك في سنة 716 ه - « 1 » وكثر القتل
--> ( 1 ) البداية والنهاية ج 14 ص 76 .