ابن الطلاع القرطبي
130
أقضية رسول الله ( ص )
أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تحت دبابة ثم زحفوا بها إلى جدار الطائف ليخرقوه ، فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار ، فخرجوا من تحتها فرمتهم ثقيف بالنبل فقتلوا منهم رجالا ، فأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقطع أعناب ثقيف ، فوقع الناس فيها يقطعون ، وتقدم أبو سفيان والمغيرة بن شعبة إلى الطائف فنادى : يا ثقيف أن آمنوا حتى نكلّمكم ، فامنوهما فدعا من قريش وبني كنانة ليخرجن إليهما وهما يخافان عليهما السبي فأتين منهن : آمنة بنت أبي سفيان كانت عند عروة بن مسعود له منها داود بن عروة بن مسعود فولدت له داود بن أبي مرة ، فلما أتين عليهما قال لهما ابن الأسود بن مسعود : يا أبا سفيان ويا أبا مغيرة ألا أدلكما على خير مما جئتما له ، إن مال بني الأسود حيث قد علمنا - وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بينه وبين الطائف نازلا بواد يقال له العقيق ، إنه ليس بالطائف مال أبعد رشاء ، ولا أشد مئونة ، ولا أبعد عمارة من مال بني الأسود ، وأن محمدا كان أقطعه لم يعمره أبدا - فكلماه فليأخذه لنفسه ، أو ليدعه للّه والرحم . وأن بيننا وبينه من القرابة ما لا يجهل ، فزعموا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تركه ونزل على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في إقامته - وكان محاصرا بالطائف - عبيد فأسلموا فأعتقهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وتكلم نفر من أهل الطائف بعد ما أسلموا في أولئك العبيد فقال : « هم عتقاء اللّه » « 1 » . وفي البخاري أن مروان والمسور بن مخرمة أخبرا عروة أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قام حين جاء وفد هوازن فسألوه أن يردّ عليهم أموالهم وسبيهم ، فقال : « إن معي من ترون وأحب الحديث إليّ أصدقه ، فاختاروا إحدى الطائفتين ، إما المال وإما السبي ، وقد كنت استأنيت بهم » - وكان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم استأنى بهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف - فلما تبين لهم أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم غير راد إليهم إلا إحدى الطائفتين قالوا : فإنّما نختار سبينا ، فقام النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في الناس فأثنى على اللّه بما هو أهله . ثم قال : « أما بعد : فإن إخوانكم جاءونا تائبين وإني رأيت أن أرد إليهم سبيهم ، فمن أحب منكم أن يطيب بذلك فليفعل ، ومن أحب أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء اللّه علينا فليفعل » ، فقال الناس : طبنا ، فقال : « إنا لا ندري من أذن منكم ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم » فرجع الناس ، فكلمهم عرفاؤهم ثم رجعوا إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فأخبروه أنهم طيبوا وأذنوا فهذا الذي بلغنا عن سبي هوازن « 2 » . من الفقه هبة الشيء للغائب ذكره البخاري ، اختلاف العلماء في أوامر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ونواهيه قال أصحاب الظاهر وبعض أهل الحديث : أوامر النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فرض ، ونواهيه حرام . جعلوا قوله كالقرآن ، وقال آخرون : أوامره على ما تلقاها العلماء فما حملوه على الفرض فهو فرض ، وما حملوه على السنة أو على الندب فهو كذلك ، ونواهيه حرام وهذا مذهب أصحاب مالك . ويؤيد ذلك أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : « إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه ثلاثا قبل أن
--> ( 1 ) رواه الطبري ( 3 / 82 ) ، وابن هشام ( 2 / 302 و 303 ) ، ومغازي الواقدي ( 922 ) ، وابن سعد ( 2 / 120 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 2539 و 2540 ) ، وأبو داود ( 2693 ) .