عبد السلام احمد الراغب
54
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم
الكلمات ، ثم الكلمات في الجمل ، تكوّن جرس العبارات ، ومنها يتكوّن الإيقاع العام للصورة كما سأوضح ذلك في الوظيفة الفنية ، إن شاء الله . فاللغة العربية إذن لغة تصويرية تجمع الكثير من النواحي الوجدانية والإيقاعية والتصويرية . ولا حرج من استعمال مصطلح « الإيقاع الموسيقى » في دراسة الأسلوب الفني في القرآن ، لأن القرآن جاء بلغة العرب ، ويجري وفق أساليبهم في التعبير ، فهو معجز ببيانه الفني ، والإيقاع جزء من الأسلوب الفني . وقد نلاحظ أن هذه المقوّمات للصورة ، قد تشترك مع مقومات الصورة الأدبية عموما في الأصول التي تتشكل منها ، ولكنّ مقومات الصورة القرآنية مختلفة تماما بعد ذلك عن مقومات الصورة الأدبية . لأن الصورة القرآنية تعتمد في تشكيلها على قاعدة دينية ، وتنطلق منها في عملية التشكيل ، وهذه القاعدة الدينية لمواد الصورة ملحوظة في الصورة القرآنية تشكيلا ووظيفة أيضا . ثم إن بقية مواد الصورة تنطلق من هذه القاعدة الدينية ، وتطوف في أجوائها ، ولا تتعداها إلى غيرها . فالفكر في الصورة القرآنية ، ديني ، والعاطفة دينية والخيال يطوف في أجواء دينية ، ولا يتعدى هذه الأجواء ، واللغة تؤدي معاني دينية ، والصورة بموادها المشكّلة تهدف إلى تحقيق وظيفة دينية . فمقومات الصورة القرآنية مترابطة ، متعاونة ، تخضع للفكرة الدينية التي هي محورها الذي تدور من حوله . فقانون الترابط بين مقوّمات الصورة القرآنية هو إحدى ميّزات الصورة القرآنية ، حيث نرى هذا الترابط لا يتوقف عند مقومات الصورة فقط ، بل إنه يرتبط أيضا بأنواع الصور في القرآن ، ويتناسق معها . لإبراز هذه الخصوصية المميّزة للصورة القرآنية عن الصورة الأدبية ، فهذه المقومات للصورة التي تعتمد على أساس ديني ، تنعكس في أنواع الصور القرآنية ، فتبرز فيها الصور القرآنية ذات الطابع الديني الواضح المعالم والسمات ، وهذا أمر ينسجم مع طبيعة النص القرآني ، باعتباره كتابا منزلا من عند الله ، يهدف إلى تحقيق أغراض دينية عن طريق الصورة الفنية . وبذلك يتلاحم الغرض الفني بالغرض الديني ، لتحقيق الإعجاز في التصوير القرآني .