الشيخ محمد مكي نصر الجريسي
5
نهاية القول المفيد في علم تجويد القرآن
[ خطبة الكتاب ] بسم اللّه الرّحمن الرّحيم وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [ المزمّل : الآية 4 ] الحمد للّه الذي اصطفي من عباده حملة كتابه ، وأوجب عليهم تجويده والعمل بما فيه ، ووعدهم على ذلك جزيل ثوابه ، ووفقهم للمداومة على قراءته وإقرائه ، وسقاهم لذيذ شرابه ، وخصّهم بمزايا بين العباد وجعلهم من خواص أحبابه ، فسبحانه من إله اختارهم وفضّلهم على من سواهم لحفظ كتابه الكريم ، وصونه عن التبديل والتغيير والتحريف والتخريم ، فحفظوه وصانوه عن الزيادة والنقص والتأخير والتقديم ، وحرّروا طرقه ورواياته ، وأوضحوا وجوه إعرابه ، وبيّنوا مخارج حروفه وصفاتها ، وحققوا كيفية النطق بمفرداتها ومركّباتها ، وعلموا كمية فواصله وكلماتها ، وكيفية النزول ، والمحكم والمتشابه ، وفرّقوا بين مفخّمه ومرقّقه ومخفاه ومدغمه ، وميّزوا بين مقصوره وممدوده ومختلسه ومتمّمه ، وعرفوا أنواع وقفه وحثوا على تعليمه وتعلمه . فطوبى لمن تلاه حقّ تلاوته حتى صار ممتزجا بلحمه ودمه وأعصابه . أحمده سبحانه وتعالى حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده مدى الدهور والأزمان ، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له شهادة نرتقي بها إلى أعلى منازل الجنان ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله القائل : « من أراد أن يتكلّم مع اللّه فليقرأ القرآن » ، صلى اللّه عليه وعلى آله وأصحابه الذين نقلوا القرآن كما أنزل ، وعملوا بما فيه ، وما زاغوا عن تجويده وأحكامه وآدابه ، وسلّم تسليما كثيرا . أما بعد . . . فيقول أسير الشهوات ، كثير الهفوات ، الراجي من مولاه الفوز والنصر ، الفقير محمد مكّي نصر ، الجريسيّ مولدا ، والشافعي مذهبا ، الشاذلي طريقة ومشربا : إن أولى ما شغل العبد به لسانه ، وعمّر به قلبه وجنانه ، وأفضل ما يتوسل به إلى نيل الغفران ، وأعظم ما يتوصل به إلى دخول الجنان : قراءة كتاب اللّه المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد ، مع التدبّر لمعانيه ، وإحكام مبانيه ، والعمل بما فيه . وأهمّ ما يجب تحصيله قبل تلاوته : علم تجويد حروفه وتصحيح قراءته . ولما كان علم التجويد من أولى العلوم ذكرا وفكرا ، وأشرفها منزلة وقدرا ؛ لكونه متعلّقا بكلام رب العالمين المنزّل به الروح الأمين على قلب المصطفى سيد المرسلين ،