الشيخ محمد مكي نصر الجريسي
44
نهاية القول المفيد في علم تجويد القرآن
الباب الثاني في بيان صفات الحروف فيه خمسة فصول وتتمة . الفصل الأول في بيان ما تعرف به الصفة من همس وجهر ونحوهما اعلم أن المخارج للحروف بمثابة الموازين ؛ تعرف بها مقاديرها ، والصفات بمثابة الناقد الذي يميّز الجيد من الرديء . فببيان مخرج الحرف تعرف كميته ؛ أي مقداره ، فلا يزاد فيه ولا ينقص وإلا كان لحنا ، وببيان الصفة تعرف كيفيته ؛ أي عند النطق به من سليم الطبع ؛ كجري الصوت وعدمه ، وتحقيق ذلك أن الهواء الخارج من داخل الرئة - وهو موضع النفس وللقلب كالغشاء - إن خرج بدفع الطبع من غير أن يسمع : يسمّى نفسا بفتح الفاء ، وإن خرج بالإرادة وعرض له تموّج يسمع بسبب تصادم جسمين : سمّي صوتا ، وإن عرض للصوت كيفيات مخصوصة بسبب اعتماده على مقطع - أي مخرج محقق - وهو الذي ينقطع فيه الصوت كجزء من الحلق أو اللسان أو الشفتين أو الخيشوم ، أو مخرج مقدّر وهو الذي لم ينقطع فيه الصوت ، بل قدّروا له جوف الحلق والفم : سمّي ذلك الصوت حروفا . وإن عرض للحروف كيفيات أخر في الواقع بسبب نحو جري الصوت وعدمه وقوّة الاعتماد على المخرج وعدمها : سميت تلك الكيفيات صفات . ثم إن النفس الخارج الذي هو صفة حروف إن تكيّف بكيفية الصوت حتى يحصل صوت قوي كان الحرف مجهورا ، وإن بقي بعضه بلا صوت يجري مع الحرف : كان الحرف مهموسا ، وأيضا إذا انحصر صوت الحرف في مخرجه انحصارا تامّا فلا يجري جريانا أصلا يسمى شديدا ؛ فإنك لو وقفت على قولك « الحج » وجدت صوتك راكدا محصورا ، حتى لو أردت مد صوتك لم يمكنك ، وأما إذا جرى الصوت جريانا تامّا ولم ينحصر أصلا فإنه يسمى رخوا كما في « الطش » فإنك لو وقفت عليها وجدت صوت الشين جاريا تمدّه إن شئت ، وأما إذا لم يتم الانحصار ولا الجري فيكون متوسطا بين الشدة والرخاوة كما في « الظل » فإنك لو وقفت عليه وجدت الصوت لا يجري مثل جري « الطش » ، ولا ينحصر مثل انحصار