الشيخ محمد مكي نصر الجريسي
236
نهاية القول المفيد في علم تجويد القرآن
ولم يأمنوا من الآفات ، وخشوا مناقشة الحساب ، فأقبلوا على الاستغفار ، وقنعوا أن يخرجوا من الدنيا لا لهم ولا عليهم . ومنهم قوم كانوا إذا ختموا دعوا ، وهو مرويّ عن ابن مسعود وأنس بن مالك وغيرهما ، وهؤلاء قوم غلب عليهم شهود الربوبية للّه تعالى ، وشهدوا من أنفسهم العبودية له تعالى ، ووجدوا من أنفسهم الفقر والفاقة إلى ربهم ، وعاينوا منه سعة الرحمة وعموم الفضل للمحسن والمسئ ، وإسباغ النعم على المقبل والمدبر ، فأطمعهم ذلك وقوّى رجاءهم في اللّه ، وعلموا أن القرآن الكريم شافع ومشفع فلم يهلهم أمر ذنوبهم وإن عظمت ، فمدّوا إلى اللّه يد المسألة ، وتضرعوا إليه ، وابتهلوا ، وعلموا أن لا ملجأ من اللّه إلا إليه ، مع ملاحظة قوله تعالى : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [ غافر : الآية 60 ] فكان دعاؤهم عبودية للّه تعالى . ومنهم قوم كانوا يصلون الخاتمة بالفاتحة عودا على بدء من غير فصل بينهما لا بدعاء ، ولا غيره لوجهين : أحدهما : ما رواه الترمذي من حديث أبي سعيد أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : يقول اللّه تعالى : « من شغله القرآن عن دعائي ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ، وفضل كلام اللّه تعالى على سائر الكلام كفضل اللّه تعالى على خلقه » ، ثانيهما : ما في ذلك من التحقق بمعنى الحلول والارتحال الوارد في الحديث المرويّ من طريق عبد اللّه بن كثير عن درباس مولى ابن عباس عن عبد اللّه بن عباس عن أبيّ بن كعب رضي اللّه عنهم عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم : « أنه كان إذا قرأ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ( 1 ) [ النّاس : الآية 1 ] افتتح من الْحَمْدُ لِلَّهِ [ الفاتحة : الآية 2 ] ثم قرأ من البقرة إلى وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ البقرة : الآية 5 ] ثم دعا بدعاء الختم ، ثم قام » . قال الحافظ ابن الجزري في نشره : وصار العمل على هذا في سائر أمصار المسلمين في قراءة ابن كثير وغيرها ، ويسمونه الحالّ المرتحل ؛ أي الذي حلّ في قراءة آخر الختمة ، فارتحل إلى ختمة أخرى ، فلا يزال سائرا إلى اللّه تعالى ، وعكس بعضهم ، فقال : الحالّ المرتحل الذي يحلّ في ختمة عند فراغه من ختمة أخرى ، والأول أظهر . والقصد بهذا الحث على كثرة التلاوة ، وأنه مهما فرغ من ختمة شرع في ختمة أخرى من غير تراخ كما كان الصالحون ، فكانوا لا يفترون عن تلاوته ليلا ونهارا ، حضرا وسفرا ، صحة وسقما ، ولهم عادات مختلفة في قدر ما يختمون فيه ؛ فكان بعضهم يختم في شهرين ، وبعضهم في شهر ، وبعضهم في عشرة أيام ، وبعضهم في ثمانية ، وبعضهم في سبعة ، وهم الأكثرون ، وبعضهم في ستة ، وبعضهم في خمسة ، وبعضهم في أربعة ، وبعضهم في ثلاثة ، وبعضهم في اثنين ، وبعضهم في يوم وليلة ؛ ومنهم عثمان بن عفان رضي اللّه عنه ، وتميم الداري ،