الشيخ محمد مكي نصر الجريسي

21

نهاية القول المفيد في علم تجويد القرآن

فمن ذلك القراءة بالألحان المطربة المرجعة كترجيع الغناء ؛ فإن ذلك ممنوع ؛ لما فيه من إخراج التلاوة عن أوضاعها ، وتشبيه كلام ربّ العزّة بالأغاني التي يقصد بها الطرب . ولم يزل السلف ينهون عن التطريب ؛ روي أن رجلا قرأ في مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فطرّب ، فأنكر ذلك عليه القاسم بن محمد وقال : يقول اللّه تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ ( 41 ) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ( 42 ) [ فصّلت : الآيتان 41 ، 42 ] وقال مالك : « لا تعجبني القراءة بالألحان ، ولا أحبها في رمضان ولا في غيره ؛ لأنه يشبه الغناء » ، وقال الحافظ السيوطي في الإتقان : وأما القراءة بالألحان فنصّ الشافعي رحمه اللّه تعالى في المختصر أنه لا بأس بها ما لم تخرج القراءة عن حدّ القرآن ، وإلا فتكون القراءة بالألحان حراما اه . وعن رواية الربيع الجيزي أنها مكروهة . قال الرافعي : « فقال الجمهور : ليست على قولين ، بل المكروه أن يفرط في المدّ وفي إشباع الحركات حتى يتولد من الفتحة ألف ، ومن الضمة واو ، ومن الكسرة ياء ، أو يدغم في غير موضع الإدغام ، فإن لم ينته إلى هذا الحد فلا كراهة » . قال النووي في زوائد الروضة : الصحيح أن الإفراط على الوجه المذكور حرام يفسّق به القارئ ، ويأثم به المستمع ؛ لأنه عدل به عن منهجه القويم . قال : وهذا مراد الشافعي بالكراهة » اه . وقد علم بذلك أن القائلين بجواز قراءة القرآن بالألحان يشترطون عدم الإفراط والزيادة وإشباع الحركات ؛ لأن ذلك يؤدّي إلى الزيادة في القرآن ، وهو ممنوع ، وإلى هذا المعنى أشار الجعبري بقوله : اقرأ بألحان الأعارب طبعها * وأجيزت الأنغام بالميزان ومنها شيء يسمى بالترقيص ؛ ومعناه أن الشخص يرقّص صوته بالقرآن ؛ فيزيد في حروف المدّ حركات ؛ بحيث يصير كالمتكسر الذي يفعل الرقص . وقال بعضهم : هو أن يروم السكت على الساكن ثم ينفر عنه مع الحركة في عدو وهرولة . ومنها شيء يسمى بالتحزين وهو أن يترك القارئ طباعه وعادته في التلاوة ، ويأتي بها على وجه آخر كأنه حزين يكاد أن يبكي من خشوع وخضوع ، وإنما نهي عنه لما فيه من الرياء . ومنها شيء يسمى بالترعيد ومعناه أن الشخص يرعّد صوته بالقرآن كأنه يرعد من شدة برد أو ألم أصابه . ومنها شيء آخر يسمى بالتحريف أحدثه هؤلاء الذين يجتمعون ويقرءون بصوت واحد فيقطّعون القراءة ، ويأتي بعضهم ببعض الكلمة والآخر ببعضها الآخر ، ويحافظون