الشيخ محمد مكي نصر الجريسي
20
نهاية القول المفيد في علم تجويد القرآن
وسئل مالك رضي اللّه عنه عن الحدر في القرآن ؟ فقال : من الناس من إذا حدر كان أخفّ عليه ، وإذا رتّل أخطأ ، والناس في ذلك على ما يخفّ ، وذلك واسع . وقال القاضي أبو الوليد الطرطوشي : معنى هذا أنه يستحبّ لكل إنسان ما يوافق طبعه ويخفّ عليه ؛ فربما يكلّف غير ذلك مما يخالف طبعه فيشقّ عليه ويقطعه ذلك عن القراءة أو الإكثار منها ، أما من تساوى عنده الأمران : فالترتيل أولى . وإلى تفضيل الترتيل أشار الخاقاني في منظومته بقوله : وترتيلنا القرآن أفضل للذي * أمرنا به من لبثنا فيه والفكر ومهما حدرنا درسنا فمرخّص * لنا فيه إذ دين العباد إلى اليسر [ اه . شرح نونية السخاوي ] . وينبغي أن يتحفّظ في الترتيل عن التمطيط ، وفي الحدر عن الإدماج والتخليط ؛ فإن القراءة كما قيل بمنزلة البياض ؛ إن قلّ صار سمرة ، وإن كثر صار برصا . قال إمام المحققين حمزة الكوفي لبعض من سمعه يبالغ في ذلك - أي في التحقيق - : « أما علمت أنّ ما فوق الجعودة فهو قطط ، وما فوق البياض فهو برص ، وما كان فوق القراءة فليس بقراءة » . وإلى هذا المعنى أشار الخاقاني رحمه اللّه تعالى بقوله : فذو الحذق معط للحروف حقوقها * إذا رتّل القرآن أو كان ذا حدر تتمة : اعلم أنه لا خلاف بين القراء في جواز القراءة بكلّ من الأنواع المتقدمة ، ومع ذلك فمذاهبهم مختلفة ؛ فكان ورش وحمزة يذهبان إلى الترتيل الذي هو نوع من التحقيق ، وعاصم في ذلك دون ورش وحمزة . وكان قالون وابن كثير وأبو عمرو يذهبون إلى الحدر والسهولة في التلاوة ، وكان ابن عامر والكسائي يذهبان إلى التوسط ؛ فقراءتهما بين الترتيل والحدر . قال بعض شرّاح الجزرية : وما ذكر من تخصيص كلّ مرتبة بعض القرّاء هو الغالب على قراءة القرّاء السبعة ، وإلا فكلّ القرّاء يجيز كلّا من المراتب المتقدمة . اه . الفصل الثالث في بيان الأمور المحرّمة التي ابتدعها القرّاء في قراءة القرآن اعلم أن قرّاء زماننا ابتدعوا في القراءة أشياء كثيرة لا تحلّ ولا تجوز ؛ لأنها تكون في القراءة إما بزيادة على الحدّ المتقدّم بيانه ، أو بنقص عنه ، وذلك بواسطة الأنغام ؛ لأجل صرف الناس إلى سماعهم والإصغاء إلى نغماتهم .