الشيخ محمد مكي نصر الجريسي
19
نهاية القول المفيد في علم تجويد القرآن
ففي جامع الترمذي وغيره عن يعلى بن مالك أنه سأل أمّ سلمة رضي اللّه عنها عن قراءة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، فإذا هي تنعت أي تصف قراءة مفسّرة حرفا حرفا . وقالت عائشة رضي اللّه عنها : « كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقرأ السورة حتى تكون أطول من أطول منها » اه . وذكر بعض شراح الجزرية أن الترتيل نوع من التحقيق عند الأكثرين ؛ فكل تحقيق ترتيل ، ولا عكس ، وفرّق بعضهم بينهما بأن التحقيق يكون للرياضة والتعليم ، وبأن الترتيل يكون للتدبر والتفكّر والاستنباط . وزاد بعضهم في أنواع القراءة « الزمزمة » ؛ قاله أبو معشر الطبري في التلخيص : وهو ضرب من الحدر ؛ قال : الزمزمة القراءة في النّفس خاصة . ولا بد في هذه الأنواع كلها من التجويد . [ اه شرح نونية السخاوي ] . تتمة : اختلف العلماء رضي اللّه عنهم في الأفضل : هل هو الترتيل مع قلة القراءة ، أو السرعة مع كثرة القراءة ؟ فذهب بعضهم إلى الثاني تمسكا بما رواه ابن مسعود رضي اللّه عنه عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « من قرأ حرفا من كتاب اللّه تعالى فله حسنة ، والحسنة بعشر أمثالها » الحديث رواه الترمذي وصححه ورواه غيره : « بكل حرف عشر حسنات » قال الشيخ ابن الجزري رحمه اللّه تعالى في النشر : « والصحيح ، بل الصواب ، ما عليه معظم السلف والخلف وهو أن الترتيل والتدوير مع قلّة القراءة أفضل من السرعة مع كثرتها ؛ لأن المقصود من القرآن فهمه والتفقّه فيه والعمل به ، وتلاوته وحفظه وسيلة إلى فهم معانيه ، وقد جاء ذلك منصوصا عن ابن مسعود وابن عباس رضي اللّه عنهم . وسئل مجاهد عن رجلين قرأ أحدهما البقرة ، والآخر البقرة وآل عمران في الصلاة ، وركوعهما وسجودهما واحد ، أيهما أفضل ؟ فقال : الذي قرأ البقرة وحدها أفضل . ثم قال ابن الجزري رحمه اللّه تعالى : وأحسن بعض أئمتنا رحمه اللّه تعالى فقال : إن ثواب قراءة الترتيل والتدوير أجلّ وأرفع قدرا ، وإن كان ثواب كثرة القراءة أكثر عددا ؛ فالأول كمن تصدّق بجوهرة عظيمة أو أعتق عبدا قيمته نفيسة ، والثاني من تصدّق بعدد كثير من الدنانير ، أو أعتق عددا من العبيد قيمتهم رخيصة . وقال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه اللّه تعالى : اعلم أن الترتيل مستحبّ لا لمجرد التدبر ؛ فإن العجمي الذي لا يفهم معنى القرآن يستحبّ له أيضا في القراءة الترتيل والتؤدة ؛ لأن ذلك أقرب إلى التوقير والاحترام ، وأشد تأثيرا في القلب من الهذرمة والاستعجال ؛ لما روي عن عمر رضي اللّه عنه أنه قال : « شرّ السير الحقحقة » أي السفر في أوّل الليل « وشرّ القراءة الهذرمة » أي السرعة فيها . [ اه شرح الشيخ حجازي والبركوي على الدر اليتيم ] .