الشيخ محمد مكي نصر الجريسي
163
نهاية القول المفيد في علم تجويد القرآن
كان رأس آية أن يسكت عندها وقد وردت السّنة بذلك عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عند استعماله التقطيع » ، كما حدّثنا خلف بن إبراهيم بن محمد المقرئ قال : حدّثنا أحمد بن محمد المكي قال : حدّثنا علي بن عبد العزيز قال : حدّثنا أبو عبيد قال : حدّثنا يحيى بن سعيد الأموي عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة قالت : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقطّع قراءته يقول : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 1 ) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 2 ) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 3 ) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( 4 ) [ الفاتحة : الآيات 1 - 4 ] ومرقوم فيه على رأس كل آية نقطة حمراء محلّ قوله ، ثم يقف » اه . إذا عرفت هذا فاعلم أن العلماء رحمهم اللّه اختلفوا في الوقف على رؤوس بعض الآي ؛ فمنهم من اختار الوقف عليها والابتداء بما بعدها لحديث أم سلمة المتقدم ، ولم ينظر إلى عدم تمام الكلام كالوقف على قوله : لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [ البقرة : الآية 220 ] رأس الآية والابتداء بقوله : فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ [ البقرة : الآية 220 ] ، أو على قوله : أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى ( 9 ) [ العلق : الآية 9 ] رأس الآية والابتداء بقوله : عَبْداً إِذا صَلَّى ( 10 ) [ العلق : الآية 10 ] ، ولا إلى إيهام الوقف أو الابتداء معنى فاسدا لا يليق كالوقف على قوله : فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ( 4 ) [ الماعون : الآية 4 ] والابتداء ب الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ [ الماعون : الآية 5 ] أو على قوله : أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ( 151 ) [ الصّافات : الآية 151 ] والابتداء بقوله : وَلَدَ اللَّهُ [ الصّافات : الآية 152 ] فهذا وما شابهه لا يخفى ما فيه ؛ فتأمل . ومنهم من أجاز الوقف عليها ولم يجوّز الابتداء لما تقدم ، ومنهم من أجاز السكت على رأس كل آية أي من دون تنفس ؛ فهذه ثلاثة مذاهب تتعلق بالوقف الحسن ، فاختر لنفسك منها ما يحلو ، واللّه أعلم . لكن الذي نقلناه عن مشايخنا مشافهة هو المذهب الأوّل ، وهو المشهور عند غالب أهل هذا الفن ، ثم اعلم أنه قد يكون الوقف حسنا على تقدير ، وكافيا على آخر ، وتامّا على غيرهما ، نحو قوله : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : الآية 2 ] يجوز أن يكون حسنا إذا جعل الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [ البقرة : الآية 3 ] نعتا لِلْمُتَّقِينَ وأن يكون كافيا إذا جعل الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ رفعا بمعنى هم الذين ، أو نصبا . بتقدير أعني الذين ويجوز أن يكون تامّا إذا جعل الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ مبتدأ خبره أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [ البقرة : الآية 5 ] . وقد يكون الوقف حسنا والابتداء قبيحا نحو قوله : يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ [ الممتحنة : الآية 1 ] ؛ فالوقف حسن والابتداء ب وَإِيَّاكُمْ [ الممتحنة : الآية 1 ] قبيح لفساد المعنى ، إذ يصير تحذيرا عن الإيمان باللّه تعالى ، وقد يتأكد الوقف الحسن لبيان المعنى المقصود كما تقدم