الشيخ محمد مكي نصر الجريسي

125

نهاية القول المفيد في علم تجويد القرآن

وأربعون مثالا ؛ للنون المتوسطة والمتطرفة منها ثلاثون ، وللتنوين خمسة عشر . والحجة لإخفاء النون الساكنة والتنوين عند هذه الأحرف ؛ أنهما لم يقربا من هذه الحروف كقربهما من حروف الإدغام ؛ فيجب إدغامها فيهنّ من أجل القرب ، ولم يبعدا منهن كبعدهما من حروف الإظهار ؛ فيجب إظهارهما عندهنّ من أجل البعد ؛ فلما عدم القرب الموجب للإدغام ، والبعد الموجب للإظهار أعطيا حكما متوسطا بين الإظهار والإدغام وهو الإخفاء ؛ لأن الإظهار : إبقاء ذات الحرف وصفته معا ، والإدغام التام : إذهابهما معا ، والإخفاء هنا : إذهاب ذات النون والتنوين من اللفظ وإبقاء صفتهما التي هي الغنة ، فانتقل مخرجهما من اللسان إلى الخيشوم لأنك إذا قلت : ( عنك ) وأخفيت : تجد اللسان لا يرتفع ولا عمل له ، ولم يكن بين العين والكاف إلا غنة مجردة . ولا يرد أَنْتُمْ ونحوه ؛ فإن ارتفاع الطرف من اللسان لخروج التاء لا للنون . ثم اعلم أن الإخفاء يكون تارة إلى الإظهار أقرب ، وتارة إلى الإدغام أقرب ، وذلك على حسب بعد الحرف منهما وقربه ، ولفظ ذلك قريب بعضه من بعض ، والذي نقله المرعشي في رسالته عن ابن الجزري أن حروف الإخفاء على ثلاث مراتب ؛ أقربها مخرجا إلى النون ثلاثة أحرف : الطاء والدال المهملتان ، والتاء المثناة الفوقية ، وأبعدها : القاف والكاف ، والأحرف الباقية متوسطة في القرب والبعد ، وأن الإخفاء على ثلاث مراتب أيضا ؛ فكل حرف هو أقرب إلى النون يكون الإخفاء عنده أزيد ، وما قرب إلى البعد يكون الإخفاء عنده دون ذلك ، وما كان بعيدا يكون الإخفاء عنده أقلّ مما قبله ، فإخفاؤهما عند الأحرف الثلاثة الأولى إخفاء أعلى ؛ يعني أن المخفى منهما عند هذه الأحرف أكثر من الباقي ، وغنّتهما الباقية قليلة ، يعني أن زمان امتداد الغنّة قصير ، وإخفاؤهما عند القاف والكاف إخفاء أدنى ، يعني أن يكون المخفى منهما أقل من الباقي ، وغنّتهما الباقية كثيرة ، بمعنى أن زمان امتدادهما طويل ، وإخفاؤهما عند الأحرف الباقية إخفاء أوسط ، وزمان غنّتهما متوسط ، ولم أر في مؤلّف تقدير امتداد الغنة في هذه المراتب [ اه . من رسالة المرعشي ] . وقال في حاشيته عليها : قوله : « ولم أر في مؤلف » لو قلنا إن أعلاها قدر ألف وأدناها قدر ثلث ألف وأوسطها قدر ثلثي ألف لأصبنا الحقّ أو قربنا منه ، واللّه أعلم . والذي نقلناه عن مشايخنا وعن العلماء المؤلفين في فن التجويد المتقنين : أن الغنة لا تزيد ولا تنقص عن مقدار حركتين كالمد الطبيعي ؛ لأن التلفّظ بالغنة الظاهرة يحتاج إلى التراخي لما ذكره في التمهيد أن الغنة التي في النون والتنوين أشبهت المدّ في الواو والياء ، لكن ينبغي التحذير عن المبالغة في التراخي . اه .