الشيخ محمد مكي نصر الجريسي

121

نهاية القول المفيد في علم تجويد القرآن

محض كامل التشديد مع الغنة ؛ حيث كان للمدغم فيه لا للمدغم . نبّه عليه شيخنا رحمه اللّه تعالى . وما ذكر من أن الإدغام - إذا صاحبته الغنة - يكون إدغاما ناقصا هو الصحيح في النشر وغيره ، خلافا لمن جعله إخفاء ، وجعل إطلاق الإدغام عليه مجازا كالسخاوي رحمه اللّه . ويؤيد الأول وجود التشديد فيه ؛ إذ التشديد ممتنع مع الإخفاء [ اه . إتحاف البشر ] . ثم اعلم أن النون الساكنة مع حروف الإدغام لا تدغم إلا إذا كانت متطرفة بأن يكون المدغم والمدغم فيه من كلمتين ، أما إذا كانت متوسطة بأن كانا أي المدغم والمدغم فيه من كلمة نحو الدُّنْيا [ البقرة : الآية 85 ] و بُنْيانٌ [ الصف : الآية 4 ] و قِنْوانٌ [ الأنعام : الآية 99 ] و صِنْوانٌ [ الرّعد : الآية 4 ] ولا خامس لهن : فإنها تظهر لئلا يلتبس بالمضاعف لو أدغم ، وهو ما تكرّر أحد أصوله ك ( صوان ) و ( رمان ) و ( ديّان ) لأنك إذا قلت ( الديا ) و ( صوان ) ألبس ولم يفرق السامع بين ما أصله النون وبين ما أصله التضعيف ، فلم يعلم أنه من ( الدني ) و ( الصنو ) أو من ( الدي ) و ( الصو ) ، فأبقيت النون مظهرة ، ولذلك أشار الشاطبي فقال : وعندهما للكلّ أظهر بكلمة * مخافة إشباه المضاعف أثقلا فإن قلت : هلّا أدغم بغنّة فيحصل الفرق بها بين المضاعف وغيره ؟ فالجواب : أنها لما كانت فارقة فرقا خفيّا لم يكن الفرق معتبرا ؛ فمنع الإدغام خوفا من اللبس ظاهرا ، ولذلك أظهرها العرب مع الميم في كلمة واحدة ؛ حيث قالوا « شاة زنماء » و « غنم زنم » ولم يقع في القرآن مثله اه . القسم الثالث : أنهما يدغمان بلا غنة في اللام والراء ، فيبدل كلّ من النون الساكنة والتنوين لاما ساكنة عند اللام ، وراء عند الراء ، ويدغم فيما بعده إدغاما تامّا لجميع القراء ، نحو مِنْ لَدُنْهُ [ النّساء : الآية 40 ] و يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ [ العاديات : الآية 11 ] و عَنْ رَبِّهِمْ [ المطفّفين : الآية 15 ] و رَؤُفٌ رَحِيمٌ [ التّوبة : الآية 128 ] هذا ما قرأنا به من طريق الشاطبية والتيسير ، وقرئ لنافع وأبي جعفر وابن كثير وأبي عمرو ويعقوب وابن عامر وحفص بإدغامهما بغنة عند الحرفين المذكورين من طريق الطيبة والنشر ولطائف الإشارات . ويسمّى الأوّل إدغاما كاملا لذهاب الغنة منه ، وهذا هو المشهور المأخوذ به ، ويسمى الثاني إدغاما ناقصا لبقاء أثر الغنة معه . إن قلت : أليس يستثنى من الإجماع المذكور قوله : مَنْ راقٍ [ القيامة : الآية 27 ] فإنّ حفصا لا يدغم النون في الراء هنا بل يسكت على « من » ثم يقول : راقٍ ؟ قلت : لا يستثنى ؛ لأن إدغامهما فيهما إنما يكون عند ملاقاتهما إياهما ، والسكتة تمنع الملاقاة ،