الشيخ محمد مكي نصر الجريسي
122
نهاية القول المفيد في علم تجويد القرآن
وتفصل بين الحرفين ، فلو لم يسكن حفص هنا لأدغم البتة . ووجه إدغامهما فيهما : قرب مخرجهن لأنهن من حروف طرف اللسان ، أو كونهن من مخرج واحد على رأي الفرّاء ، وكلّ منهما يستلزم الإدغام ، وأيضا لو لم يدغما فيهما لحصل الثقل لاجتماع المتقاربين أو المتجانسين ؛ فبالإدغام يحصل الخفة لأنه يصير في حكم حرف واحد . ووجه حذف الغنة المبالغة في التخفيف لأن بقاءها يورث ثقلا ما . وسبب ذلك قلبهما حرفا ليس فيه غنّة ولا شبيها بما فيه غنة ، واختير عدم الغنة حيث لم تثبت النون رسما نحو أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ [ الكهف : الآية 48 ] و أَلَّنْ نَجْمَعَ [ القيامة : الآية 3 ] و أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ [ النّجم : الآية 38 ] و أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ [ طه : الآية 89 ] و أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ [ هود : الآية 2 ] ونحو إِلَّا تَنْصُرُوهُ [ التّوبة : الآية 40 ] و إِلَّا تَنْفِرُوا [ التّوبة : الآية 39 ] فإن ثبتت النون في الرسم نحو أَنْ لا مَلْجَأَ [ التّوبة : الآية 118 ] و أَنْ لا يَقُولُوا [ الأعراف : الآية 169 ] - كما سيأتي بيان ذلك في المقطوع والموصول - جاز إدغامها في اللام وإظهار الغنة معها ، ولو وقعت النون الساكنة قبل اللام والراء في كلمة لكانت مظهرة ؛ لئلا يلتبس بالمضاعف ، ولم يقع ذلك في القرآن . الحال الثالث : الإقلاب : ومعناه لغة : تحويل الشيء عن وجهه يقال قلبه أي حوّله عن وجهه . واصطلاحا : جعل حرف مكان آخر . وقال بعضهم : هو عبارة عن قلب مع إخفاء لمراعاة الغنة ، والمراد هنا قلب النون الساكنة والتنوين ميما مخفاة قبل الباء الموحدة مع بقاء الغنة الظاهرة ، وهذا بإجماع القراء كما صرّح به في التيسير سواء كانت النون مع الباء في كلمة أو كلمتين . والتنوين لا يكون إلا من كلمتين ، وذلك نحو أَنْبِئْهُمْ [ البقرة : الآية 33 ] و أَنْ بُورِكَ [ النّمل : الآية 8 ] و سَمِيعٌ بَصِيرٌ [ الحجّ : الآية 61 ] . قال ابن الجزري في النشر : فلا فرق حينئذ في اللفظ بين أَنْ بُورِكَ [ النّمل : الآية 8 ] وبين يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ [ آل عمران : الآية 101 ] إلا أنه لم يختلف في إخفاء الميم المقلوبة عند الباء ولا في إظهار الغنة في ذلك بخلاف الميم الساكنة ؛ يعني أنه وقع اختلاف في إخفائها مع إظهار غنتها ؛ فذهب الجمهور إلى ذلك ، وذهب البعض إلى إظهارها مع إخفاء غنتها كما سيأتي . ولا تشديد في ذلك ؛ لأنه بدل لا إدغام فيه إلا أنّ فيه غنة لأن الميم الساكنة من الحروف التي تصحبها الغنة . قال المرعشي : والظاهر أن معنى إخفاء الميم ليس إعدام ذاتها بالكلية ، بل إضعافها وستر ذاتها في الجملة بتقليل الاعتماد على مخرجها وهو الشفتان ؛ لأن قوة الحرف وظهور ذاته إنما هو بقوّة الاعتماد على مخرجه ، وهذا كإخفاء الحركة في قوله : لا تَأْمَنَّا [ يوسف : الآية 11 ] إذ ذلك ليس بإعدام الحركة بالكلية بل بتبعيضها ، وسيأتي .