ساسي سالم الحاج
38
نقد الخطاب الاستشراقي
النسطورية إلى العرب وتوغلت بعيدا جهة الجنوب حتى وصلت إلى نجران ، بينما انتشرت الديانة الزرادشتية على سواحل الخليج العربي بفعل المؤثرات الفارسية ، كما انتشرت اليهودية في بعض الواحات الحجازية وفي اليمن ذاتها في الفترة التي سبقت دخول الأحباش إليها . حاولت بيزنطة مدّ نفوذها السياسي عن طريق التبشير بالديانة المسيحية . وقد كان لها حليف قيّم في منطقة البحر الأحمر وهم الأحباش الذين كانت عاصمتهم تدعى « أكسوم » وكانت تتمتع بميناء هام على هذا البحر الاستراتيجي اسمه « أدوليس » يقع بالقرب من ميناء « مصوع » الحالي . وكانت هذه المنطقة ملتقى التجارة القادمة من مصر وبيزنطة بتلك الآتية من الهند وإفريقيا وجنوب الجزيرة العربية . وقد اعتنقت الحبشة الديانة المسيحية في النصف الأول من القرن الرابع الميلادي ، التي امتدت بدورها إلى بعض أجزاء جنوب الجزيرة العربية عن طريق المبشّر الهندي « تيوفيل » الذي يعتقد « ألوهية المسيح » ولكن هذا المذهب لم يلاق النجاح المرجو سواء في الحبشة المجاورة أو جنوب الجزيرة العربية « 1 » . ثم يستطرد « رودنسون » في إيراد الحوادث التاريخية لجنوب الجزيرة العربية . وتبلور الوحدة العربية بصورة نسبية على يد ملك اليمن المسمى « إيكرب سعد » الذي مدّ ملكه شمالا وشمالا شرقيّا إلى أكثر من ألف كيلومتر على مدينة « مأرب » . كما كان هناك ملوك « كندة » المشهورون الذين توغلوا شمالا حتى وصلوا إلى القرب من مدينة « الحيرة » وقد اشتهر من بينهم الشاعر « امرؤ القيس » . وقيل : إن ملك اليمن المذكور اعتنق الديانة اليهودية ومن خلاله تسرّبت إلى جنوب الجزيرة العربية . ونحن نعرف بقية قصة صراع هاتين الديانتين في هذه الأصقاع طبقا لما أوردناه في الجزء الأول من كتابنا . ولكن الذي يهمنا في هذا السياق دخول الفرس إلى اليمن لنصرة سيف بن ذي يزن الذي حاول استعادة ملكه من الأحباش بمساعدتهم . وهكذا شعرت بيزنطة بالخطر الفارسي الذي يهدّد نفوذها السياسي وطرقها التجارية في هذه المناطق النائية خاصة بعد فشل حملة أبرهة الحبشية على مكة ، وفي هذه الفترة أجمعت الروايات العربية على مولد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . وهي فترة تميّزت بهذا الصراع السياسي بين القوتين العظميين حول الجزيرة العربية ، وكانت لها آثارها المقبلة فيما يتعلق بالضعف الشديد الذي انتابهما
--> ( 1 ) المرجع السابق ، ص 49 - 51 بتصرف كبير .