ساسي سالم الحاج
39
نقد الخطاب الاستشراقي
حتى أصبحتا فريسة سهلة في يد العرب الذين استطاعوا التغلب عليهما كما يقول المستشرقون . نعم ، أثّرت هذه الحوادث في حياة العرب فقد وقعوا تحت تأثير هاتين القوتين اللتين تبادلتا النفوذ في العديد من مناطقهم خاصة شمال وجنوب الجزيرة ، كما لمس العرب ذلك الصراع الضّاري بينهما والذي أملته المصالح الاقتصادية والسياسية والدينية . وعرفوا أهمية بلادهم الاستراتيجية . وعانوا من الكرّ والفرّ الذي حصل بين القوات المتصارعة ، وقضى على الممالك العربية الضعيفة المتحالفة مع هاتين القوتين بحيث صارت لا قيمة فعلية لها في المناطق العسكرية أو الاقتصادية ، بل إن الممالك العربية في جنوب الجزيرة العربية قد تمّ القضاء عليها نهائيّا بدخول الأحباش ثم الفرس إليها . ومما ساعد على تشتت عرب جنوب الجزيرة خراب سدّ مأرب ونزوحهم إلى وسط وشمال الجزيرة ودخول قبائل عديدة منهم إلى منطقة الهلال الخصيب وبلاد الرافدين . وخلال هذه الفترة التاريخية المليئة بالاضطراب السياسي والاقتصادي والعسكري اكتسب البدو القاطنون وسط الجزيرة أهمية خاصة عندما سيطروا على طرق التجارة المؤدية من الشمال إلى الجنوب والعكس ، فأصبحوا أدلّاء للقوافل التجارية ، ووسطاء لنقل البضائع الآتية من مصادرها المختلفة ، واستطاعوا التغلب على بعض الحملات التأديبية التي أرسلتها ضدهم فارس أو بيزنطة ، وبقوا أسياد هذه الفيافي التي تكونت فيها بعض المدن المعتمدة على التجارة بصورة رئيسة كمكة ، وعلى الزراعة كيثرب والطائف وخيبر وغيرها . وقد نشأ عن هذا التحول الاقتصادي طبقة غنية احتكرت التجارة وقادت القوافل عبر هذه الطرق الصعبة ، وتكرّست بين يديها ثروات كبيرة لا يستهان بها نتجت عن ذلك التبادل الذي يتم بالمقايضة أو بالنقود ، وهكذا نشأت الأسواق الكبرى كعكاظ وغيرها التي يتبادل فيها البدو التجارة وقول الشّعر والمناظرات الأدبية . وقد صاحب ذلك كله تغيرات ثقافية وأخلاقية ودينية واقتصادية واجتماعية لها أثرها الكبير في انتشار الدعوة الإسلامية في قادم الأيام . وقد أدّت هذه التغييرات الجوهرية على المجتمع العربي إلى التطلع إلى الديانات العالمية المعروفة في ذلك الزمان ، وهكذا عرف العرب الديانتين المسيحية واليهودية تحت أشكال مختلفة ومذاهب متعددة وعقائد متضاربة . وعادة ما ارتبطت هاتان الديانتان بالصراع السياسي الذي يحاول كل طرف السيطرة من خلاله على الجزيرة العربية بكاملها . وهكذا أصبح