ساسي سالم الحاج
37
نقد الخطاب الاستشراقي
اقتصاد العالم الذي قاد إلى محاولة السيطرة على طرق التجارة الدولية التي تربط الصين بالغرب . وكانت بيزنطة تأمل في استعادة أرض الرافدين من أيدي الفرس والتي كانت مقاطعة رومانية تحت حكم « تراجان » و « أرميني » . ومقابل ذلك فإن الفرس يرنون إلى استعادة إمبراطورية « داريوس » التي كانت مسيطرة على سوريا ومصر . وهكذا استمرت الحرب سجالا بين الطرفين تخلّلها العديد من فترات السلم التي لا تمتد طويلا حتى تتأجج الحرب كرّة أخرى « 1 » . والذي يهمنا في هذا السياق تلك الحرب التي اندلعت بين الفرس والروم عام 572 م لما لها من نتائج على انتشار الدعوة الإسلامية . فقد فصل بين المتخاصمين صحراء الشام الواسعة التي يقطنها جماعات من البدو تنظر بنهم إلى المناطق الخصبة في سوريا وبلاد الرافدين . وقد دخلت جماعات كبيرة منها إلى هذه المناطق بالطرق السلمية وأصبحوا من سكانها بعد أن تقمّصوا عاداتها وأخلاقها ولغاتها . ولكن هذه الهجرة أصبحت كبيرة ومؤثرة في القرن السادس الميلادي . وهكذا دخلت جماعات من البدو إلى المناطق الخصبة المحيطة بالإمبراطورية البيزنطية مثل سوريا وفلسطين وبلاد الرافدين شمالا . كما دخلت جماعات بدوية أخرى إلى سبأ وحضرموت جنوبا . فكّرت الإمبراطوريتان المتخاصمتان في استغلال هذه القبائل البدوية لتأمين حدودها ، وهكذا تحالفت الدولة الساسانية مع قبيلة لخم العربية ، وجعلت من رؤسائها ملوكا ذكرهم الشعراء العرب في قصائدهم الشعرية . وأصبحت عاصمتهم « الحيرة » محجّا لهؤلاء وللعرب الآخرين . واشتهر من ملوكهم « امرؤ القيس » الذي اكتشف شاهد على قبر مكتوب بلغة عربية أنه « ملك كل العرب » . كما اشتهر منهم « المناذرة » الذين تحالفوا مع الفرس وأصبحوا حراسا لهم بل وعملاء لهم يحمون حدودهم من الغارات البدوية القادمة من دواخل الجزيرة العربية . وهذا التحالف المعقود بين اللخميين والفرس أدى إلى اندلاع حروب مستمرة بين هذه القبائل العربية المتحالفة مع الفرس وبين الروم . وحتى يتمكن الروم من ردّ اعتداءات هذه القبائل العربية فقد جنّدوا هم الآخرون قبيلة الغساسنة العربية لمقاتلة إخوانهم اللخميين . وهكذا عيّن « جوستنيان » عام 529 م « الحارث بن جبلة » رئيسا لهم . وقد اعتنق هؤلاء القوم الديانة المسيحية على الطريقة الشرقية التي لا تعترف إلّا بطبيعة واحدة للمسيح . وهكذا تسرّبت المونوفوستية
--> ( 1 ) المرجع السابق ، ص 47 .