ساسي سالم الحاج

35

نقد الخطاب الاستشراقي

هاشم والمطلب ، فكانت القبائل الموسرة تحاول أن تتبع سياسة محايدة وفي وجه سياسة المطلب الموالية للحبشة ، ولا يمكننا البتّ فيما إذا كان أبرهة قد قبل مقترحات عبد المطلب أو رفضها لعلمه بأنه لا يملك القوة الكافية لذلك ، وعلى كل حال فلقد انتهت الحملة بدون طائل إذ فتك الطاعون بالجيش الحبشي « 1 » . ويختتم « وات » حديثه عن شؤون مكة السياسية في السنوات القليلة التي سبقت الدعوة الإسلامية بافتراضه وقوف مكة على الحياد في الصراع الدائر بين الفرس والروم ، ورفضها تتويج « عثمان بن الحويرث » ليكون ملكا عليها لأنه مدعوم من قبل بيزنطة ، ولعل أوثق رأي ذكره أن قسما كبيرا من الحديث عن سياسة مكة يقوم على الافتراض والتخمين في ظل نقص الوثائق عن هذه الفترة التي يؤرخ لها ، وإن كان يرى أن الوصف العام للحوادث كان صحيحا إلّا أن بعض التفاصيل ليست صحيحة . وهكذا بلغ محمد سن النضج في عالم تتشابك فيه شؤون المال والسياسة العالمية تشابكا متينا « 2 » . تحدث « مكسيم رودنسون » عن الحالة السياسية والاجتماعية في مكة قبل البعثة المحمدية حديثا مطولا تعرض فيه بداية إلى أحوال الجزيرة العربية الاقتصادية بعد أن وصفها من الناحية الجغرافية . ثم تحدث عن الحالة السياسية في مكة عندما تحدث عن تلك المساواة بين شيوخ القبائل المختلفة التي لا زعيم رئيسا لها تنقاد إليه وتتصرّف حسب إرادته . ويشير إلى أن مبدأ المساواة المطلق بين مختلف القبائل يشوبه شيء من الشك لأن بعضا منها يمتاز عن الآخر بالثروة والغنى نتيجة الغزو والتجارة . بل إن بعض رؤساء هذه القبائل يتمتع بثروات شخصية كبيرة . وهكذا أصبح المجتمع القرشي يتسم بالتفرقة بين الغني والفقير ، فهناك أغنياء وهناك فقراء ، ولكنه يكفي مرور سنوات من الجفاف أو أثر من آثار الحروب حتى يتساوى الجميع في البؤس . وبهذه الثروة المؤقتة استطاع بعضهم تملك الرقيق الذي يمكن الحصول عليه بالشراء أو الغزو . إلّا أن طريقة حياة البدو غير المنظمة تجعل من الاستبعاد الدائم لهذا الرقيق أمرا شاقّا وهكذا يعتقون ويصبحون « موالي » لأسيادهم الأوائل . كما أن هناك قبائل ضعيفة ومحتقرة من قبل الآخرين فيكون وضعها الاجتماعي أقل من القبائل الأخرى النافذة

--> ( 1 ) المرجع السابق ، ص 38 . ( 2 ) المرجع السابق ، ص 41 .