ساسي سالم الحاج

34

نقد الخطاب الاستشراقي

هذه الأفضلية على وجود جيش من المرتزقة العبيد السود . وانتهى إلى القول : إن هذه الأفضلية لا تقوم على مآثر قريش الحربية ، ولكنها تقوم على تحالفاتهم التي عقدوها مع مختلف القبائل العربية التي تمر قوافلهم عبر أراضيها بحيث كانت تلك القوافل تحتاج إلى خدمات عدد كبير من البدو الذين يدلون على الطريق ويرافقون القافلة ويقومون برعاية الجمال . وهكذا كانت القبائل البدوية تشترك في تجارة مكة وتعرف من أين تؤكل الكتف . وقد ازداد هذا التضامن بفعل روابط النسب التي تجمع بين زعماء مكة ومختلف القبائل « 1 » . أما بالنسبة إلى سياسة مكة الخارجية فإن « وات » يرى أن مكة تقع ضمن دائرة مصالح دولتين كبريين : الإمبراطورية البيزنطية وفارس ، ودولة أقل شأنا منهما هي مملكة الحبشة . وكانت الأسباب التجارية هي التي توجه أنظار الإمبراطوريتين إلى الجزيرة العربية . وتطرق إلى تلك القبائل التي حالف بعض منها بيزنطة كالغساسنة وبعضها الآخر حالف الفرس كالمناذرة . كما أشار باقتضاب إلى تلك الحادثة التي حصلت بنجران للمسيحيين هناك واستجارتهم بملك بيزنطة الذي فوّض الحبشة بالقيام بالواجب تجاه أهل ديانتهم وقيام الأحباش باحتلال اليمن . وكيف تدخّل الفرس في اليمن عندما استجار بهم سيف بن ذي يزن ضد الأحباش وأثر هذه الصراعات في دخول الديانتين اليهودية والمسيحية إلى الجزيرة العربية . وقد أسهبنا في شرح تلك الأسباب في الجزء الأول من كتابنا فلا داعي لتكرار هذه الوقائع من جديد . ويعلّل « وات » الحملة الحبشية على مكة من قيامها على المصالح التجارية التي انضمت إلى المصالح الدينية التي كانت الذريعة الأولى لها . وهو يرى - أي وات - أن أبرهة كان لا يعجبه نجاح المكيين التجاري المتزايد إذ كانوا يجنون أرباحا مغرية كوسطاء بين الأحباش والبدو « 2 » . ويورد لنا « وات » قصة مقابلة عبد المطلب لأبرهة طبقا للروايات الإسلامية ، ويصل إلى نتيجة غريبة مفادها أن عبد المطلب قد حاول الاستعانة بالأحباش ضد أعدائه القرشيين كقبائل عبد شمس ونوفل ومخزوم ، ويبدو أن الأوليين قد استولتا في هذا الوقت على القسم الأكبر من التجارة مع سوريا واليمن بعد أن كانت سابقا بأيدي

--> ( 1 ) المرجع السابق ، ص 31 - 32 بتصرف كبير . ( 2 ) المرجع السابق ، ص 37 .